السّيرة الشعبية.. إنتاج فني وجمالي تخلقه الجماعة الشعبية

السيرة الشعبية في التراث العربي (1/9)

السير الشعبية فضاء للقيم، والإنتاج الفني والجمالي تخلقه الجماعة الشعبية وتتبناه وتضيف قيمها ولا يجب أن نختزل التعامل مع السير الشعبية في قيم سلبية وإيجابية فقط وإنما لابد أن ننظر لها بالتقدير كعمل إبداعي وجمالي بما فيها البعد الدرامي والتفاعل مع الشخصيات.

سلام محمد

يُطلق مصطلح السيرة الشعبية، على نوع أدبي على الروايات التي روُاتها (مؤلفوها الشعبيون) مجهولون، تأثروا بأدب السيرة، من حيث ابتداؤها ببيان النسب، وذكر النبوءات المبشرة بميلاد بطلها وتكوِّنه، ومن حيث اعتمادها على عنصر الصراع القصصي من أجل أن يحقق البطل أهدافه، أو ما يُنْتَظَر منه.

 

مصطلح السيرة الشعبية

غالبا ما تحمل السيرة اسم بطلها، وتروي قصة حياته من الولادة إلى الوفاة. وهو(البطل)، غالبا ما يكون شخصية تاريخية وردت أخبارها في كتب التاريخ والسيرة والأدب، مثل: عنترة بن شداد، والمهلهل بن ربيعة (الزير سالم)، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس. “ومن الصعب الوقوف عند المراحل الأولى لرواية السيرة الشعبية، لأنها نصٌّ مفتوح، لم يغلق إلا بعد تدوينه الذي تحدده الباحثة المصرية ألفت الروبي بالقرن الرابع عشر، في زمن المماليك بمصر. غير أنه ليس من الصعب الوقوف على طبقات السيرة ورواتها، فتجد داخل فصولها وحكاياتها أكثر من راوٍ، وكل راوٍ يبني حكايته على خطابه هو، وخطاب المرحلة والزمن الذي يعيش فيه. لهذا تجد داخل السيرة تفسيرات لآيات قرآنية من جهة، وحكايات عربية وفارسية وتركية، بل وحتى أوروبية، قديمة. ربما هذا من جهة تشابه الحكايات الشفاهية بين الشعوب، لكن من الصعب تحديد أصل أيّ حكاية وجذرها والمدينة التي بدأت تروى فيها”.

والسير الشعبية هي فضاء للقيم، والإنتاج الفني والجمالي تخلقه الجماعة الشعبية وتتبناه وتضيف قيمها ولا يجب أن نختزل التعامل مع السير الشعبية في قيم سلبية وإيجابية فقط وإنما لابد أن ننظر لها بالتقدير كعمل إبداعي وجمالي بما فيها البعد الدرامي والتفاعل مع الشخصيات.

وقد ثبت من خلال الأبحاث والدراسات العلمية للموروث الشعبي أن هناك تأثيراً كبيراً لما تحويه السير الشعبية من قيم في تقدم الأمم.

 

مرتكزات بنية السيرة الشعبية

تستند السيرة الشعبية على حكايات الماضي الشفهية والمكتوبة من مثل: الخرافات والحكايات الشعبية المليئة بالجن والسحر وقصص الأنبياء والأولياء والصالحين وأيام الجاهلية وأخبار الفتوحات وقصص الفرسان، حيث شكلت روافد مهمة استقى منها الراوي الشعبي عناصر لتشكيل الأجواء الملحمية التي صورها، لكن الراوي الشعبي مارس فيها حرية واسعة في التعامل مع التاريخ من حيث الأحداث والشخصيات.

ففي السيرة الواحدة، تتجاوز الإحالات إلى تواريخ متباعدة، وتجتمع شخصيات تاريخية تفصل بينها قرون، كما سنرى في “سيرة سيف بن ذي يزن” التي جعل هذا البطل العربي الجاهلي يقاتل الملك سيف أرعد الذي حكم الحبشة في القرن 14م (8هــ). وفي “سيرة علي الزئبق” التي تجري أحداثها في عهد هارون الرشيد (ت 193هــ)، بينما سلطان مصر في السيرة هو أحمد بن طولون الذي حكمها بين سنتي 254هـ و 270هــ، وبعض أحداث القصة تقع في الأزهر الذي تم بناؤه في 361هــ38.

والقصة المركزية في السيرة الشعبية هي قصة حياة بطلها منذ مبتدئها حتى الوفاة. وتنتظم في وحدات حكائية متفاوتة الطول يقوم تعاقبها على منطق عام تشترك فيه مختلف السير. فالوحدات الأولى تتعلق بالنسب والنبوءات المبشّرة والولادة الخارقة والنشأة الصعبة.

 

لغة السيرة الشعبية

لغة السير الشعبية النثرية لغة سهلة مسجوعة تكاد تقترب إلى لغة التخاطب عند أهل المدينة التي يمتزج فيها الأصل العربي بروافد شعبية من مختلف الشعوب مع بعض آثار اللغة الدارجة التي تستخدم محلياً؛ فهي تكونت بحكم المزج والاستعمال والاختلاط وبالتزاوج اللغوي.

والسجع في السيرة لا يقصد لذاته كحلية لغوية، وإنما هو يقصد كوسيلة مساعدة للحفظ، وليتم تناقل السيرة مشافهة وعن طريق السماع، وكذلك يخدم هذا الهدف أيضاً الأسلوب العام المتبع في تقسيم الجمل إلى فقرات صغيرة متناسقة موسيقياً ومتساوية من حيث الطول، وعدد الحروف، ومن ناحية الإيقاع الموسيقي أيضاً.

استعمال الشعر في السير الشعبية يأتي للاستدلال أو الاستشهاد وكذلك يأتي كأداة صراع داخل المعركة. إذ يخوض الأبطال معارك كلامية قبل معارك السيف ، واستعمال الشعر في الحوار بين الأبطال أمر شائع في السير الشعبية كلها، وهنا يقف المشهد من الناحية السردية تماماً، وتنتقل المسألة كلها إلى عملية حوارية بالشعر واستعمال الشعر في الحوار له دلالته الفنية في تصوير الصراع وتجسيده، وفي إبراز المعالم النفسية التي يقوم عليها هذا الصراع.

ويأتي الشعر كذلك على لسان الأبطال لرسم موقفهم من الأحداث فالمؤلف يستعمله للتعبير عن الانفعالات النفسية في المواقف التي يكون فيها الشعر أصدق دلالة وأبعد أثراً، والشعر بوظائفه هذه لا يطغى على العمل الأصيل، وإنما يساعده ويحسّنه، ولو نزعنا من معظم السير كل ما بها من شعر لما غيّر هذا من مكانتها القصصية في شيء.

مصدر محمد حسن عبد الحافظ، الحوار المتمدن المجلس العلمي، د ابراهيم عوض، الموسوعة التونسية مجلة الجسرة الثقافية
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.