السير في شوارع الغوطة سباق مع الموت

محطات من التغريبة الشامية (20)

خطر ببالي رؤية المسجد المدمر خرجت للشرفة فوجدت مأذنته قد تهدمت النوافذ والابواب متصدعة، بعض الحيطان مدمرة وكل شيء فيه وكأنه يبكي شهداؤه، وكأنه سيحن لإقامة الصلاة فيه وكأنه خائف من الهجر والوحدة مثله كمثل البيوت والبلدات التي فارقناها.

الأيام السورية؛ نور الشامي

من يسير في طرقات الغوطة الشرقية كأنه ذاهب إلى الموت بقدميه، فلا يدري بأي لحظة تحدث غارة جوية أو تسقط بقربه قذيفة، فإما يلفظه الموت مكتفيا بإصابة، وإما يخطفه من أيدي أمه أو زوجته وأولاده، تاركاً خلفه قلوبا ملوعةً محروقة محرومة حتى من الأمن والأمان.

سباق مع الموت

كانت أكثر أوقاتي خوفا وذعرا هي طريق الذهاب إلى بيت أهلي الذي يضطرني للمرور بالسوق الشعبي والمركز الطبي للبلدة، واللذان يعتبران أكثر الأماكن عرضة للقصف في كل بلدات الغوطة بسبب اكتظاظها بالمدنيين، كنا نتحرى الأوقات الخالية من صخب الطائرات وضجيج المدفعية، نسابق الريح لقضاء حوائجنا وكأننا في سباق مع الموت.

“راح أبوكم قصفو الجامع”

حدث في أحد أيام الجمعة وبعد وصولي إلى منزل والداي في أجواء هادئة تماما جعلت الناس يخرجون بحرية مطلقة إلى الشوارع، وبعد أن سلّمت عليهم استأذن أبي للذهاب إلى صلاة الجمعة قاصداً المسجد الأقرب إلى منزله، وعلى حين غرة؛ صفر صوت قذيفة مدفعية استهدفت الحي بانفجار ضخم عكر صفو ذلك اليوم، سرعان ما امتلأت أصوات القصف براجمة صواريخ أرجاء البلدة كلها.

لحظات عديدة مرت ونحن نفقد القدرة على الاستيعاب، الغبار ملأ الجو في البيت، أصوات تحطم الزجاج وتصدع الأبواب الحديدية، أصوات الضجيج خارجا ونداءات مرعبة وصراخ، كلها مرت بلمح البصر، أمي تنادي أخوتي في الغرفة الأخرى ويعلو صوتهم أنهم بخير، طلبات الإسعاف وبكاء الأطفال الآتي من الشارع تخشع له القلوب، خرجت والدتي إلى شرفة المنزل لتستطلع مكان القصف فتجد الدخان والغبار يعلو المسجد فتصرخ “راح أبوكم قصفو الجامع”.

كانت جملتها تلك أصعب علينا من صفير القذائف وأصوات الانفجارات فدخلنا جميعا في نوبة بكاء، لا ندري ماذا نفعل فالجميع غير قادر على الجلوس، ننتقل من باب إلى نافذة ناطرين خبر يهدأ من لوعتنا، دموعي تسيل بغزارة كلما نظرت إلى أمي المنتظرة على الباب قدوم أبي أو أحدٍ يحمل عنه خبرا يطمئننا وكلي عجز عن مواساتها، تاهت الكلمات وضاعت الحروف وأنا أتوقع الأسوأ، وأتخيل جحيم حياة العائلة بدون أب.

مرت الدقائق كأنها ساعات، وأطل علينا فجأة تملأه الغبار يلهث بشدة ويجدنا بخير جميعاً شاكرا الله على ذلك، أحسست أن قلبي هدأ قليلا من خفقانه، وهدأنا جميعا تحول خوفنا إلى فرح وتسائلنا عما جرى ليحدثنا أنه توقف للحديث مع جارنا مما سبب تأخير وصوله إلى المسجد، ولكن هذا التأخير كان خيرا وعمرا جديدا قد كتب له.

عاش والدي ما عشناه من خلال خوفه علينا، حيث أنه بعد سقوط الصواريخ بدقيقة نظر باتجاه البناء الذي نسكن فيه ليجد سحب الدخان والغبار تعلو المكان أيضا فيعتقد أن الصواريخ أصابت بيتنا، فيعود للمنزل مرغما دون اكمال طريقه والمساعدة في الإسعاف للمصابين في الشوارع، لكننا حتى تلك اللحظات لم نكن نعرف أن الصاروخ أصاب بناءنا في الطابق الثالث وهو منزل فارغ غير مكتمل فكانت أضرار القصف علينا مادية فقط اقتصرت على الزجاج وإطارات النوافذ الألمنيوم المخلوعة من أماكنها،‏ حاولنا مساعدة بعضنا في تنظيف المنزل وإعادة النوافذ لأماكنها واستبدلنا زجاجها بالنايلون السميك لأنه أقل كلفة و أكثر أمنا من شظايا الزجاج المحطم، ‏إلا أن الشهداء والمصابين كانوا من المصلين المتواجدين والقريبين من المسجد.

تهدم مئذنة المسجد

خطر ببالي رؤية المسجد المدمر خرجت للشرفة فوجدت مأذنته قد تهدمت النوافذ والابواب متصدعة، بعض الحيطان مدمرة وكل شيء فيه وكأنه يبكي شهداؤه، وكأنه سيحن لإقامة الصلاة فيه وكأنه خائف من الهجر والوحدة مثله كمثل البيوت والبلدات التي فارقناها.

إصرار على التعلم

حتى المدارس أيضا، فقد تعرضت أعداد كبيرة من مدراس الغوطة لتدمير ممنهج أدى إلى انقطاع التدريس فيها بسبب قلة الكادر التعليمي من جهة، وبسبب خوف الأهالي على أبنائهم من جهة أخرى، فوقعنا بين مطرقة الجهل وحرمان التعليم وبين سندان الموت أو الإصابة خياران أحلاهما مُرٌّ كالعلقم، إلا أن إصرارنا على العيش والتعلم ومواجهة الواقع المرير شجع العديد من المسؤولين عن القطاع التعليمي على إعادة تأهيل المدارس وتجهيزها لفتح أبوابها مجددا للطلاب و محاولة مساعدة الأهالي من خلال تأمين القرطاسية والدفاتر المدرسية وتحديد أوقات الدوام بساعات مبكرة جدا ومدة زمنية لا تتجاوز الثلاث ساعات يوميا، تفاديا لأوقات القصف المتوقعة.

شهيد يودع شهيد

بينما أنا غارقة في تأملي للمسجد وحزني يقطع تفكيري صوت المؤذن ينادي أسماء الشهداء، تخنقه العبرات ويكمل ندائه عدد كبير منهم إخوة وأقارب، حدد في نهاية ندائه وقت الصلاة عليهم ووقت الدفن فيخطر ببالي فورا ماذا لو أعادوا القصف مجددا في هذا الوقت؟! ستكون مجزرة أخرى، باتت الغوطة الشرقية شهيد يودع يشيع شهيد ولا يتبدل شيء سوى ازدياد أعداد الشهداء واليتامى والثكإلى.

فجأة أشعر بألم شديد جعلني أمسك بطني وأنثني بشدة لعلي أخفف هذا الألم، لم يحن بعد وقت الولادة ناديت أمي وأخبرتها فقالت ربما من التوتر والخوف والحزن سيزول الألم بعد قليل وذهبت لتحضير كأس نعنع لعله يفي بالغرض ويسكن الألم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.