السياسة والتشكيك بالفن

لماذا نتهم في كل الثورات المثقفين بالانتهازية؟ ولماذا حينما ينتقد المثقفون السلوك الشعبوي ضمن سياق الثورة نتهمهم مباشرة بأنهم ضد الثورة؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في ثورة عام 1917، عندما نظّر لينين، ضمن سرده الثوري لطبيعة التاريخ الاجتماعي في روسيا، عن انتهازية الفئات المثقفة ومواقفها من الثورات، كان ينضوي تحت رؤية خاصة، وهي أن ممارسي الفنون بشكل عام يريدون بناء مجتمع أكثر مثالية من الاضطرابات المحيطة بالفعل الثوري القائم.

لقد وعى لينين هذه الروح لدى المثقف، لكن وصفه لهم بالانتهازيين لم يكن بالدقة (كما فُهِم لاحقاً) تدمير الثورة، بل الانتقال بها إلى مجال آخر من الارتقاء الاجتماعي والثقافي، مما قد يسبب في لحظة البناء التاريخي لتلك الثورات بالتصدع قبل أن تكتمل.

لينين كان يعي المسألة من هذا الجانب، وهدفه المحافظة على الدولة مؤسساتها أمام التيارات الثقافية الطامحة للمثالية الاجتماعية. لكن ثورة 1917 ورؤيا لينين لم تبق حبيسة روسيا، بل امتدت إلى عالم اليوم.

في كل التاريخ اللاحق لأي حراك ثوري، كان يتم النظر إلى المثقفين ضمن الرؤية اللينينية تلك التي أعطت انطباع عن انتهازية المثقف، وفي كل الحركات التي جاءت فيما بعد، إن كانت ثورات تمثل اليسار أم اليمين، الاشتراكية أم الليبرالية، العلمانية أم الدينية، فإن الجميع كان ينظر للفئات المثقفة بعين التوجس.

في واحدة من حوادث التاريخ الساخرة التي جرت مع برتولد بريحت، المسرحي الألماني الثوري الاشتراكي، أنه عندما استملت النازية ألمانيا، اضطر بريخت للهرب نحو الولايات المتحدة والمكوث فيها، وهناك استمر في عمله المسرحي والفني، ومع ذلك كان الأمريكان متخوفين منه جداً باعتبار طروحاته المسرحية ثورية بما يكفي ليشكل تهديد حقيقي للنظام الرأسمالي وتقليب الفئات المثقفة هناك والتي تلقائياً لديها ميول للعدالة في تلك الفترة الزمنية.

في التاريخ اللاحق لأي حراك ثوري، كان يتم النظر إلى المثقفين ضمن الرؤية التي أعطت انطباعا عن انتهازية المثقف، وفي كل الحركات الثورية التي جاءت فيما بعد، فإن الجميع كان ينظر للفئات المثقفة بعين التوجس.

عندما خسرت ألمانيا الحرب الثانية، وتم تقسيمها إلى دولتين، عاد بريخت عام 1948، الذي بقى خلال كل ذلك التاريخ محافظ على ثوريته وثقافته واشتراكيته، إلى القسم الشرقي الذي كان تحت دعم الاتحاد السوفيتي، ورغم الاحتفاء الشديد به واعتبار المنظومة الاشتراكية بأنهم قد حظوا بذلك العقل المسرحي الفذ، لكن خلال ثماني سنوات حتى وفاته عام 1956، لم تكن السلطة السياسية في ألمانيا الشرقية مع دعمها السوفيتي لتثق كثيراً ببريخت، فأرسلوا له امرأة تُدعى ماريا اش، وهي ممثلة مسرحية كانت مهمتها أن تدخل إلى فرقة بريخت وتنقل جميع الأخبار عنه وأرائه وطروحاته. لقد كان المحتفلون به يخشون جداً أن تكون إقامته في الولايات المتحدة قد أثرت على رؤاه الاشتراكية والثورية.

بالنهاية وقعت ماريا في غرام بريخت بشكل فعلي، واقتصرت أخبارها للسلطة هناك بما يحافظ على حياة بريخت، ليس لأنه أصبح رأسماليا، بل لأن موقفه الأساسي وفكرته بأن الثورة هي الشعب، لم تتغير. رؤيته أن الثورة ليست سلطة مطلقة وليست هدفاً سياسياً محضاً، هو ما كانت تخفيه ماريا عن السوفييت.

الشكل الثقافي عندما يؤمن بهدف ثوري فهو الوحيد الذي لا يتأثر بتحوير الشكل الثوري إلى هدف سياسي، إنه يبقى مخلصاً لنزعته الشعبية، وعملية نقد السلوك الشعبوي ضمن سياق الثورة لا يعني أنه ضد الثورة.

السوفييت كانوا يخشون أن يتحول بريخت إلى رأسمالي دون أن يستوعبوا أن بريخت لم يتغير أبداً، بل على العكس، ما زال متمسكاً بمفهوم أصلي للثورة والذي كانت السلطة قد غيرته في سياساتها، حيث أصبحت الثورة بالنسبة لها بناء دولة محض.

موقف بريخت ليس وليد تجربة فردية في التاريخ، بل هو منهج أصبح واضحاً في جميع الثورات اتجاه الفن وممارسيه. الثورات وإعادة تدوير السلطة، التخوف من الأفراد والتمسك بنزعاتهم الأصلية التي نشأت عليها الثورات تؤدي لما نسميه اليوم تشبيحاً وهو في الأصل ليس سوى رؤية ثانية لمنطق الحفاظ الأمني على تطور المفهوم الثوري السياسي بيد فئة معينة.

لينين قدّم خدمة جليلة، وبشكل غير مقصود حتى لأشد أعدائه الأيديولوجيين، بأنه نظّر لفئة كانت ضمن المجال الروسي وظروفه، وتم تعميمها لتتبناها جميع الثورات اللاحقة والفئات المسيطرة عليها. إنها عملية إزاحة جزء كبير من المجتمع وتهميشه تحت اسم الانحراف والانتهازية الثورية.

لكن مثال بريخت يوضح، ولو أنه حالة فردية، أن الشكل الثقافي عندما يؤمن بهدف ثوري فهو الوحيد الذي لا يتأثر بتحوير الشكل الثوري إلى هدف سياسي، إنه يبقى مخلصاً لنزعته الشعبية، وعملية نقد السلوك الشعبوي ضمن سياق الثورة لا يعني أنه ضد الثورة، بل يعني أنه مع الشعب ضد أي شكل من أشكال السلطة، لكن ما تم ترسيخه خلال القرن الفائت حول النظرة التشككية اتجاه المثقفين ما زالت رحاها تدور في أي تغيير حقيقي على المستوى الاجتماعي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.