السياسة والتحليل السياسي

هل بات التحليل السياسي متشابهاً من حيث الجوهر مع مضمون السياسة؟ وهل تحوّل ليكون امتداد للعبة السياسة دون اكتراث لما هو صحيح وما هو خاطئ في التحليلات؟ وهل بات أقرب للمراهنة على المصائر، وفي جانب آخر باب للتعيّش؟.

82
الأيام السورية؛ علي الأعرج

كتب أحدهم ذات يوم متسائلاً بتهكّم: ما هو الفرق بين المحلل السياسي ومحلل البول؟ فأجاب أن محلل البول إذا ما أخطأ في عمله فقد يُنهي حياة إنسان، ومن ثم يُحاسب على خطأه، لكن المحلل السياسي إذا ما أخطأ في تحليله، فإن موت الآلاف من البشر مستمر، ولا أحد سيحاسبه على خطأ تحليله. بل لا أحد سيتذكر أصلاً جميع الأمراض التحليلية السياسية التي لا فائدة منها لأن سرعة الأحداث الكبرى ستُنسي البشر كل ما قيل. إنه أقرب للمثل (الحكي ما عليه جمرك).  السياسة والتحليل السياسي

رغم أن العبارة تهكمية لكنها صادقة لدرجة نشعرها عندما يجلس ملايين من الناس يتابعون حدثاً سياسياً أو عسكرياً ما، ويخرج مئات من المحللين يتفوهون بخطوط وإدارات سياسية ومصالح، وبعد فترة يفرض الواقع آلية لا تمت بصلة لكل ما قيل.

باب للتعيّش

إن التحليل السياسي لا يختلف كثيراً من حيث الجوهر عن مضمون السياسة، بل بمعنى عميق هو امتداد للعبة السياسة على شعوب العالم وبين الدول أنفسهم. لا أحد يكترث بما هو صحيح وما هو خاطئ في تحليلاته، إنه شبيه بمنظومة الاجتهاد الفقهي، إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، بمعنى لا شكل علمي لمنطق التحليل السياسي، إنه أقرب للمراهنة على المصائر، وفي جانب آخر باب للتعيّش.

حتى وإن أصاب المحلل الهدف المرجو منه، فلا شيء يتغير. إذاً ما فائدة أن يكون لكل سياسي في العالم عشرة محللين حوله!، طبعاً بخلاف المحللين (الفراطة) الذين نصادفهم يومياً في الشوارع والمقاهي. ما هو الدافع لممارسة هذا الدور المعرفي الذي لا فائدة منه؟.

التحليل السياسي شبيه بمنظومة الاجتهاد الفقهي، إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، بمعنى لا شكل علمي لمنطق التحليل السياسي، إنه أقرب للمراهنة على المصائر، وفي جانب آخر باب للتعيّش.

الجواب كان في حديث لشخص بسيط قال يوماً: “البشر يدركون أنهم مهمشين في عالم مثل هذا، وما ممارسة تحليلاتهم السياسية إلا كنوع من تبرئة الذات من موت الآخرين الذين لا نستطيع أن ندافع عنهم لأن السلطات ستبيد الجميع”.

صحة كلام ذلك الشخص تكمن تماماً في حديثه عن تبرئة الذات، شبيه بأن يخرج أحد ويقول لك “ألم أقل لكم قبل أربع سنوات بأن الأمور ستذهب نحو هذا الاتجاه”. صواب التحليل السياسي، هذا هو الهدف منه، لا أكثر ولا أقل، فحتى لو كان صائباً، فهل سيتغير المخطط الموضوع للسياسات الكبرى!. أي وهم هذا يمكن أن يؤمن به الأفراد!.

التعامل مع الأجندات المختلفة للوسيلة الإعلامية

أضف إلى ذلك بأن المحللين بطبيعتهم خاضعين لأجندات معينة لدول وأصحاب نفوذ، عملياً التحليل هو تمرير أفكار لترسيخ قواعدية أخلاقية عند البائسين المتابعين، لخلق حالة قطيعية لديهم تصرخ باسم العدالة التابعة لجهة ما. إنها عملية تجميع الأفراد حول شكل معين من السلطة، بينما السلطات بكل تاريخها القذر تتقاسم المصائر الشعبية وتتقاذفهم بحسب مصالح تلك السلطات الدولية، ليخرج في النهاية المحللين كالذئاب البريئة من دم يوسف.

بهذا المعنى يصبح دور المحلل السياسي هو أقذر من دور السياسي، لأنه في الواقع يرقّع التصريحات والسلوكيات الدولية (التي كثيراً ما تكون فاشية وبعيدة كل البعد عن الأخلاق الإنسانية) ويعطيها أبعاداً تخدم فئة ما على حساب أخرى بما يناسب تابعيته السياسية.

إن أردنا فعلياً أن نُخضع المحللين السياسيين لنفس الحكم القيمي الذي يمكن أن نُخضع له محلل البول إذا ما أخطأ في عمله وقتل إنساناً بالخطأ، فكم سيكون العالم مليئاً بالأشلاء البشرية لأولئك المحللين السياسيين!.

إن أردنا فعلياً أن نُخضع المحللين السياسيين لنفس الحكم القيمي الذي يمكن أن نُخضع له محلل البول إذا ما أخطأ في عمله وقتل إنساناً بالخطأ، فكم سيكون العالم مليئاً بالأشلاء البشرية لأولئك المحللين السياسيين!.

خدمة المصالح

في النهاية قول الحقيقة أو الصواب لا يغفر مساهمة أحد في دمار هذا الكوكب وعلى رأسهم الدمار الذي يُخلق من الساسة السفلة. إصابة الهدف التحليلي لا يُلغي أبداً أن دور المحلل السياسي هو متمركز في ناحية خدمة دولة معينة ومصالح معينة لها، وهذا سبب كافي ليكون المحلل لا يختلف في رؤاه الفاشية عن أي سياسي آخر.

ويبقى السؤال، ألا يشعر المحلل السياسي عندما يخطئ بتحليله بأي ذنب وإحساس بضرورة الاعتذار على الأقل بأن يخرج ويقول “أعتذر عن رؤاي الغبية لأني لم أصب الهدف وساهمت بشكل غير مقصود بموت مئات من البشر بآلات عسكرية لمن أخدمهم سراً!”.

بالتأكيد لن يخرج، لأن هذا العالم بأسره – وليس فقط الكلام – “ما عليه جمرك”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.