السياسة الإنسانية تطور مواكب لوعي الشعوب

1٬872

بقلم:  د. سميرة مبيض
 تختلف كل المفاهيم بين المنظور المكاني والزماني الضيق أو المتسع، مما يجعل بعض المفاهيم اليوم منقوصة تماماً بالمنظور الضيق للأمور ومنها السياسة، وسط التطور الهائل الذي يطال التواصل البشري ونمو تيار وعي فكري انساني متقدم، سيتطلب و سيفرض تطوراً رديفاً بالسياسات العالمية عاجلاً أم آجلاً. تعتمد السياسة التقليدية اليوم على تصارع تيارات سياسية على السلطة، تحركها مفاهيم مختلفة، اجتماعية، دينية أو قومية و تتلخص أدوات هذا الصراع، في ظل الديمقراطية، بالبرامج التي تقدمها هذه التيارات لتحقيق أهدافها و مدى توافقها مع احتياجات النسبة الغالبة في المجتمع المقترحة عليه.

 

لكنه مفهوم ديناميكي و ليس ثابت كجميع المفاهيم المتعلقة بالحياة. فرغم الانطباع الذي يراودنا بالتناقض بين مفهوم السياسة والإنسانية الا أنهما لا ينفصلان، فالسياسة تقوم على المجتمع الإنساني وترتبط به بشكل وثيق و تؤثر بجميع مسارات حياة البشر كما و تتأثر بالفكر البشري و التفاعلات و الاحتياجات المنبثقة عن هذه المجتمعات.

 

من هذا المنظور نلحظ ان السياسة تطورت عبر التاريخ تبعاً لتطور المجتمعات وبالأحرى تبعاً لتطور وعي المجتمعات حول حقوقها وواجباتها ووعيها الإنساني نحو الآخر على الخصوص.

 

لذلك جاء تطور السياسة غير متجانس بين مختلف البلدان ويرتبط بالتيارات الفكرية التي رفعتها الاحداث التاريخية لكل منطقة وبالأخص الحروب والكوارث الإنسانية المرتبطة بها.

 

 

التساؤلات التي تطرح نفسها اليوم في القضية السورية وبعد خمس سنوات من تتالي الجرائم بحق الانسان السوري حصراً، هل من مكان للسياسة التقليدية في هذه الظروف الاستثنائية وهل هناك معنى لأي مكتسبات سياسية لأي فرد أو حزب تحت ظل القتل الذي ينال من السوريين يومياً.

 

وهل من نفع يذكر لمن يحمل فكراً متحجراً غير قادر على مواكبة مطالب واحتياجات السوريين الحالية و التي نتجت عن تاريخ تكثَّفَ في خمس سنوات فجمع فيها خمسون عاماً من التهديم الممنهج.

 

أين هي التوجهات الإنسانية في السياسة السورية، تلك القادرة على تجاوز مخلفات الماضي ورواسبه المقيتة، وتجاوز خلافات حزبية ودينية وقومية وفردية و التي تسعى أولاً لازدهار و استقرار المجتمع السوري و تنبذ كل ما يعيق تحقيق ذلك. ألم يحن الوقت ليفرض السوريون على ممثليهم مفاهيم الأخلاق السياسية، بعد أن أثبتت السياسة التقليدية المتبعة قصورها في زمن نحارب فيه اندثار وطن و شعب، فلا ينفع أمام هذا المصاب السعي لاثبات نظريات سياسية لا تطال الواقع و لا التشبث بأفكار و مفردات خلقت في بيئة مغايرة بعيدة عن قضية السوري اليوم، بات السياسيون السوريون كمن يحارب مشاكل الحاضر بأدوات من الماضي السحيق فلا هي نفعت هناك و لا هي ستنفع هنا. السياسة الإنسانية الأخلاقية، تفرض نفسها كضرورة حيوية في المراحل الانتقالية بين الثورة و الحرب و السلم، لتتيح المجال لاحقاً لنشوء و تطور تيارات فكرية سلمية معتمدة على حاجات المجتمع بهيئته الجديدة ما بعد التغيير، غير محملة بأثقال سياسات تاريخية و غير ساعية لنجاحات وهمية.

 

 

سياسة تسعى لنبذ مسببات العنف وتحييدها عن التأثير في تقرير مصير الشعب وتعتمد أهدافها على استقرار الانسان في وطنه بأمان وازدهار تحضيراً لأن تأخذ أجياله اللاحقة دورها في المجتمع الإنساني مسلحةً بالعلم و متحررة مما جرها اليه الاستبداد و العنف و الحرب و التطرف.

 

سياسة تنطلق أهدافها المحلية بانسجام مع الانسان عامة والأرض قاطبة.

 

تحفظ التنوع الثقافي الإنساني الشامل في كل المجالات وتستمد قيمها من المبادئ الإنسانية الجامعة التي أثبتت نجاحها في تسيير أمور المجتمع بشكل سلمي و مستدام. هذه المفاهيم التي نراها فاعلة جزئياً في دول العالم المتقدم، التي لجأت بعد تاريخ مليء بالحروب الى اعتماد سياسات داخلية تبني قواعدها على مبادئ حقوق الانسان كالعدالة و المساواة.

 

و تبع ذلك الانفتاح و التعاون بين الدول المتقدمة وبناء علاقات اقتصادية تسعى لازدهار منطقة متسعة جغرافياً عن نطاق البلد الواحد. لكن سياسات هذه الدول لا تستخدم نفس القاعدة في تعاملها مع الدول النامية و التي لا زالت قائمة على استنزاف الموارد وتسيير المصالح، لكن ذلك قيد التطور أيضاً، فقد تكون هذه المفاهيم هي السائدة خلال عقود أخرى.

 

فلم يعد تقدّم فكر الانسان يتقبل الأطروحات التي كانت تستخدم لتسييس الشعوب سابقاً وباتت أغلب الحملات الإعلامية السياسية التي تهدف للتأثير بالرأي العام مكشوفة في ضوء إمكانيات التواصل و التأكد و التوثيق التي أصبحت ميسرة للجميع. السوريون، في طور التغيير الشامل الحالي لبنيانهم، بات لزاماً عليهم بدء البناء من الُّلبنة الأولى، فلتكن أسس هذا التطور سليمة إذا، تعتمد على المبادئ الإنسانية عتبة للخروج من سياسة النفاق التي أغرقت البلاد وأهلها، و ليكن تغييراً يسعى لصنع استمرارية وجود السوري كوجه من أوجه التحضر الإنساني كما كان دوماً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.