السياسة الأمريكية المتأرجحة

حليم العربي

الموقف الأمريكي في سوريا نهاية المسرحية أم حلقة من حلقات التذبذب

التصريح الأمريكي للإعلام عكس ما يضمره صناع القرار، ويضمرون ما يخططون وما سيفعلون، ويسربون منه ما يريدون لأهداف أخرى، إنها ملخص السياسة الأمريكية في سوريا على مدار الثورة في ظل الربيع العربي، فقد كانت سياسة متذبذبة ومترددة وذلك لعدة عوامل واعتبارات سياسية واستراتيجية.
احتضنت أخيرا الغرفة المعروفة باسم “موك” جنوب تركيا، عدة اجتماعات سرية، لقيادات عدد من الفصائل الثورية التي تنتشر قواتها في “إدلب وريفي حلب وحماة مع أجزاء من الساحل” للاتفاق على تشكيل غرفة عمليات عسكرية شاملة، ينتظر الإعلان عنها بشكل رسمي في وقت قريب.
تأتي هذه الاجتماعات في وقت قد أعلنت تركيا فيه عن توقف عملية درع الفرات، بعد تحقيق أهدافها، واحتمال دعم عمليات بأسماء جديدة في سورية، أتت هذه التصريحات مع زيارة ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي إلى أنقرة.
يستقبل السوريون كالعادة تلك التسريبات؛ والتي تقول أن بعض الفصائل تبلغت من أنقرة أوامر بالاستعداد لعملية عسكرية مشابهة لدرع الفرات، بدعم من الجيش التركي للهجوم على الرقة، من محور تل أبيض على الحدود السورية- التركية، وهذا يعني الصدام المباشر مع أحد حلفاء واشنطن في المنطقة ألا وهم الأكراد، الذي ينتظرون قريباً إعلان كيانهم الكردي على الحدود السورية التركية.
بينما يتفاءل البعض!
بأن هناك أهدافا أخرى لهذا التشكيل بقيادة “العقيد فضل الله ناجي” الضابط في فيلق الشام ويضم معه جيش المجاهدين والجبهة الشامية والفوج الأول وتجمع فاستقم والفرقة الوسطى والفرقة الساحلية الأولى والثانية وجيش العزة وجيش النصر وجيش إدلب ولواء الحرية،
ومن تلك الأهداف هي ضرب النظام وإعادة الاستقرار للمنطقة، بعد تراجع الفصائل عن المناطق التي تقدمت فيها على جبهتي دمشق وريف حماة الشمالي.
إلا أن هناك أصوات أخرى تقول: أن غرفة العمليات فرضت على تلك الفصائل من قبل الـ (سي آي أي) وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، بهدف قتال “هيئة تحرير الشام” المشكلة حديثاً، والتي فشلت في وقت سابق في دمج كل الفصائل المذكورة تحت رايتها، إلا أن صقور الشام وقسم كبير من أحرار الشام مع الكثير من الفصائل المساندة رفضوا هذا الاندماج.
هذا وتقف “أحرار الشام” اليوم على مفترق طرق، تقاوم عمليات الجذب لتلك التيارات، فلم يرد اسمها في الاجتماع المذكور، ولم تندمج مع “هيئة تحرير الشام” مما يفترض أن يكون لها الدور الحاسم في ترجيح كفة أحد الأطراف على الأرض.
تأتي هذه الاجتماعات؛ لتظهر تغير طفيف في مسار السياسة الأمريكية تجاه تطورات الأحداث في سوريا، بعد أن شهد تراجعاً واضحاً عقب تسلم إدارة الرئيس” دونالد ترامب”، وتوقف الدعم والتسليح للفصائل إلى حين تشكيل غرفة عمليات مشتركة وهذا ما قد حدث.
يتسابق الجميع اليوم لتمثيل الثورة والتغني بها، تجنبا للتصنيف الذي ألحق بالشعوب الحاضنة لتلك التنظيمات من كوارث كبيرة، جراء التفنن بجلب الاستعداء العالمي، في حين تعاني تلك الثورة اليوم من تحديات كبيرة، على جميع المستويات، فعلى الصعيد الداخلي، يحذر الناشطون من صدام بين غرفة العمليات العسكرية المحدثة مع “هيئة فتح الشام” كما ستعاني المناطق المحررة من تبعات التهجير القسري في ريف دمشق وحمص وغيرها، مما سينتج عن جمع النازحين في الشمال لتدهور الوضع الإنساني والاقتصادي.
وعلى الصعيد الخارجي، يزداد الدعم الأمريكي والروسي للقوات الكردية “وحدات حماية الشعب” في الشمال لإكمال مشروعها في التقسيم وحصار الثورة، بعد إكمال سيطرتها على الحدود السورية التركية، وهذا سيعزز موقفها ويساعد النظام للإجهاز على الثورة في مرحلة لاحقة.
يظهر مما سبق حجم التفاوت في التصريحات والمواقف الأمريكية، ودورها المتناقض في المنطقة، مما سيعزز الخوف لدى السوريين والذي بدأ في عهد “أوباما” ولم ينتهي في عهد “ترامب” حتى اللحظة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.