السوري في بلاد الاغتراب.. عقدة التفوق ووهم التقدم العلميّ

ويشطح أحياناً العقل الجمعي السوري في تفوّق الطبيب السوري إلى القول: بإنّ الدول الأوربيّة المتقدّمة تطمع في الأطباء السوريين مجترحي المعجزات، ويغطي هذا الكلام حقيقةً على مشاكل اللجوء السوري وما أكثرها.

102
بقلم: عمار عكاش

في جلسة تدريبيّة ـ حضرتها عام ٢٠١٥ ـ تناقش مهارات وتقنيات الوصول الجماهيري والحملات الانتخابية، كان المتحدّث فيها أكاديميّ أمريكيّ ذو باع طويلٍ في هذا الاختصاص، طرح الأكاديميّ سؤالاً على مجموعة من الناشطين السوريين: بماذا يشتهر السّوريون المقيمون في الولايات المتحدة؟.

تغيّرت ملامح وجوه المجموعة، وبدأت ملامح الرضا تغمرهم، عدّل البعض جلسته وشدّ أكتافه بشعور عارمٍ بالثقة، كانت أولى الإجابات بصوت واثق: يشتهرون بتفوّق أطبائهم، أجاب المدرّب: لا.

أضاف آخر: تفوّق مهندسيهم، حينها قال المدرب: لا، السوريون مشهورون بوصفهم تجاراً، وأصحاب مطاعم، فالسوري قادر على بدء مشروع تجاري من الصفر والنمو، هذا ما فعله السوريون منذ آلاف السنين على طريق الحرير، لكن نظام البعث أقنع الناس أن يصبحوا موظّفين وعمال مكاتب. لم تعجب هذه الإجابة معظم الحضور.

منذ أيام طفولتي، وأنا أسمع بين السوريّين أحاديثَ متكررة عن بلاد الاغتراب (أو أرض الأحلام)، وهي أحاديث تنوس بين “مديح هذه البلدان واحترامها للبشر وإتاحتها فرص التطوّر والحياة الكريمة، وبين ذم نمط الحياة فيها؛ حيث تتسم تلك البلدان بقسوة طقسها وبشرها والأنانيّة وضعف الروابط الإنسانية (روابط العائلة والصداقات)، فلا قيمة للحياة بعيداً عن الوطن”.

أكثر ما علق في ذهني من هذا الحديث، هو الإشارة الدائمة إلى تفوق الطبيب السوري والقول بأنه مرغوب ومحبوب في كل دول العالم، مما يدل على تفوّق العقل السوري. وبغضّ النظر عن وجود أطباء سوريّين متفوقين في أنحاء مختلفة من العالم، إلا أن هذا الحديث الشعبيّ العفويّ يرمي في جزءٍ منه إلى التنصّل من المسؤولية الذاتية عن قصور المجتمع السوري في منظوماته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وفي جزء آخر هو امتداد لعقليّة شعبية تمجّد الطبيب وتبخس باقي التخصصات العلميّة حقها، فالطبيب هو الشخص الذي سيضمن لنفسه عيشاً رغيداً إلى آخر العمر، كما أنه صانع المعجزات التي تشفي الناس، فكلمة حكيم التي ما تزال مستخدمة تعبّر عن مكانة اجتماعية قديمة موروثة للطبيب الذي كان في التراث العربي طبيباً وفيلسوفاً.

السوريون مشهورون بوصفهم تجاراً، وأصحاب مطاعم، فالسوري قادر على بدء مشروع تجاري من الصفر والنمو، هذا ما فعله السوريون منذ آلاف السنين على طريق الحرير، لكن نظام البعث أقنع الناس أن يصبحوا موظّفين وعمال مكاتب.

لكن ماذا عن باقي التخصّصات التي يكاد ينعدم فيها السوريون المتفوّقون، ذلك أن درجة التقدم العلميّ تقاس بالتقدم المحقّق في مجمل التخصّصات، فعلى سبيل المثال اشتهرت الهند عالمياً بتصدير مهندسي المعلوماتيّة المصنَّعين وطنيّاً إلى أنحاء العالم، لكنها مع ذلك تحتل موقعاً متدنيّاً في سلم حقوق الإنسان، وتعتبر واحدة من أسوأ دول العالم في معاملة المرأة حسب ما تُظهِره نسب التحرّش والاغتصاب فيها، كما أنّ النعرات العنصرية والطائفية والتراتبيّات والفقر المدقع تمزق النسيج الاجتماعي هناك.

هذا المثال من بلد يَصنَع من الألف إلى الياء نفسه مهندسيه وأطبائه، لكن المثال السوري أسوأ، فالطبيب السوري غالباً ما يتفوّق بعد دراسته الطب بمجمله أو دراسة مرحلة التخصص على الأقل في بلد حديثٍ في منظومته العلميّة، وبناه التحتية متطوّرة، ويحقق السوريون المتفوّقون نجاحهم في مثل هذه البلدان. وإن ناقشنا الموضوع من زاوية رأس المال الثقافي لهذه البلدان، سنجد السوريين مدينين بنجاحاتهم لتقاليد ثقافيّة وتنظيميّة راسخة في هذه البلدان، بدءاً من تنظيم الوقت، إلى سيادة القانون، ووجود أخلاقيّات راسخة للعمل، فلو أنّ الطبيب السوري بقي في بلاده لما حقق النجاح ذاته على الأرجح، ولا يعود ذلك إلى أسباب تتعلق بالتنظيم البنيوي للحقل الأكاديمي فقط، بل إلى جملة أسباب ثقافية، واجتماعية، وسياسيّة.

كما يميل السوريون أيضاً بغض النظر عن موقفهم السياسي من النظام السوري، إلى المقارنة الدائمة بين تفوق الأطباء السوريين في الخمسينيات وتراجع مستواهم في الوقت الحاضر، يبدو الكلام صحيحاً من حيث المبدأ، إذْ كانت حينها الجامعات السورية أكثر تطوراً بمعايير ذاك العصر بمناهجها وأساليبها التعليميّة، لكن التعليم في ذاك الزمن كان ما يزال يخطو خطواته الأولى، ولم يكن عدد الخريجين الجامعيين في سوريا كبيراً، قبل أن تنهار مجمل المنظومة التعليميّة السورية أيام نظام البعث، حيث بات الحديث الشعبي يعكس هذا الانهيار على مستوى الأطباء بالقول: “هادا دكتور شاطر .. هاد دكتور فهمان”.

إنّ الطبّ كمهنة شديدة الحساسيّة لا تحتمل حقيقة طبيب جيد وآخر سيئ، لأنه يتعامل مع حياة البشر، فإما يكون الطبيب طبيباً أولا يكون، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على مدى تردي مهنة الطب في سوريا.

ويشطح أحياناً العقل الجمعي السوري في تفوّق الطبيب السوري إلى القول: بإنّ الدول الأوربيّة المتقدّمة تطمع في الأطباء السوريين مجترحي المعجزات، ويغطي هذا الكلام حقيقةً على مشاكل اللجوء السوري وما أكثرها.

يشطح أحياناً العقل الجمعي السوري في تفوّق الطبيب السوري إلى القول: بإنّ الدول الأوربيّة المتقدّمة تطمع في الأطباء السوريين مجترحي المعجزات، ويغطي هذا الكلام حقيقةً على مشاكل اللجوء السوري وما أكثرها.

تاريخيّاً بدأ السوريون هجرتهم إلى بلدان الاغتراب في مطلع القرن العشرين، وكانت الهجرة حينها هرباً من تردي الأوضاع المعيشيّة والسياسيّة في ظلّ السلطنة العثمانية المتداعية، وهرباً من الاضطهاد وبشكل خاص للأقليّات الدينيّة، ومثلت بلدان أمريكا اللاتينية الوجهة الفضلى لهؤلاء المهاجرين، اندمج حينها السوريون في تلك المجتمعات، وشكّلوا جزءاً من نخبها الاقتصادية والسياسية وبشكل خاص في الأرجنتين، وفنزويلا، والبرازيل. وبعد نشأة الدولة السورية عام ١٩٤٦لم تتوقّف الهجرات لأسباب مختلفة، وكان المهاجرون يمتهنون أعمالاً مختلفة تبدأ من أدنى الأعمال إلى الطب الذي علق في الذاكرة الجمعية للسوريّين أكثر من سواه.

وفي السنوات الأخيرة جعلت مأساة الحرب السورية من اللجوء حالة عامة شملت كل فئات السوريين وشرائحهم، وبدأت تظهر إلى جانب حالات تفوّق بعض السوريين حالات كبيرة من المتّكِلين على المعونة الاجتماعية (التي يسميها السوريون راتباً!)، إلى جانب المتهرّبين من حضور دورات اللغة لتعلّم لغة البلد الجديد، والراغبين بالاعتماد على راتب اللجوء واختلاق الحجج للتهرّب من العمل، بل إن البعض يكثر من إنجاب الأطفال طمعاً في المعونة المقدّمة للطفل.

أضف إلى ذلك وجود مشكلات الاختلاف في القيم الثقافية، كما بدا جليّاً في ضعف الإيمان بحقوق الإنسان في الوعي الجمعي السوري؛ الأمر الذي أوقع شرائح من السوريين في مشكلات مع القوانين، بدءاً من حرمانهم من حق رعاية الأطفال بسبب العنف المنزلي، مروراً بارتفاع نسب الطلاق وتعنيف الزوجات، انتهاءً بارتكاب جرائم قتل من قبل بعض الرجال تجاه زوجاتهم. كما أنّ الوعي التقليدي يقود عدداً كبيراً من السوريين إلى ترديد لازمة تقول؛ إنهم أفضل من اللاجئين من باقي الجنسيات، ويخصون بالذكر الصومال، وأفغانستان، وبعض بلدان المغرب العربي، في حديث لا يخلو من عنصريّة تجاه بشر هاجر الكثيرون منهم لأسباب ودوافع مشابهة لدوافع السوريين.

لا ينفي كل ما ذكر؛ وجودَ أطباءٍ سوريّين مجدّين يعانون من صعوبات تعديل شهاداتهم والعمل في بلدان اللجوء، لكنني ما رغبت في قوله: هو أنّ المخيال الشعبي توسّل ضمن عدة أدوات عقلية أسطورة تفوّق الطبيب السوري للتهرّب من مواجهة سنين طويلة من الفوات الحضاري والتأخّر. ولا بأس من عرض نماذج نجاح تشجّع اللاجئين على إعادة بناء ثقتهم بأنفسهم، وتقدم للبلد المضيف مثالاً يواجه الخطاب العنصري عن اللاجئين، لكن الخوف كلّ الخوف أن يكون وسيلةً لاستمرار تقليدٍ قديم في إعفاء الذات من المسؤولية وعدم مواجهة استحقاقات التغيير.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.