السوريون ومتلازمة طق البراغي

اول مهمة رح ياخدها على عاتقه هي كيف يطق لك برغي من الشغل لانه بيعتبرك خطرعليه ويمكن تسرق منه منصبه أو يصير راتبك احسن من راتبه …

نهى شعبان
سلسلة زمن الخوف: (10)
قصتي اليوم هي واحده من قصص كثيره اشتهر بها معظم السوريين في كل أنحاء الكرة الأرضية ” طق البراغي ” وين ما رحت وبأي مكان بتشتغل فيه في سوري … واذا كنت سوري متله.. اول مهمة رح ياخدها على عاتقه هي كيف يطق لك برغي من الشغل لانه بيعتبرك خطرعليه ويمكن تسرق منه منصبه أو يصير راتبك احسن من راتبه … أو ..أو.. أو وطبعا” رح استبق الردود وقول لا للتعميم ومو كل أصابيعنا متل بعض .. وخلينا نبدى قصتنا ومن ثم اترك الحكم لكم “جميلة” فتاة تبلغ من العمر 25 عاما طلقها زوجها لأنها لا تنجب الأطفال, لتعود الى بيت اهلها بعد اندلاع الثورة بسنة ونصف تقريبا.
بعد ان تهدم منزلهم قررت هي واهلها الخروج من سورية خوفا على حياتهم وحياة اخوتها الثلاثة الصغار بالإضافة لأبوها مريض السكري وامها مريضة الربو. دخلت الى مخيم الزعتري مثلها مثل آلاف الاسر والعائلات التي سبقتها المفوضية بالمخيم لم تكن تهتم بالجانب الصحي للوالدين كثيرا” بسبب نقص الدعم وكانت تكتفي ببطاقات التغذية التي يأخذها جميع سكان المخيم حاولت جميلة في بداية القدوم الى المخيم التأقلم بالجو الجديد الذي فرض عليها وعلى عائلتها وعانت الكثير، وعندما لم تفلح بالتأقلم قررت ايجاد وسيلة للخروج من المخيم مثلما فعل غيرها أملا” بإيجاد فرصة افضل للحياة خارج المخيم وفعلا” وجدت كفيل وخرجت هي وعائلتها من المخيم واستاجروا بيتا” صغيرا” في محافظة اربد وبدات بالبحث عن عمل وعندما لم تفلح بإيجاد أي عمل قررت العمل من المنزل وهكذا تبقى قريبة من والديها واخوتها الصغار.
يعتمد عملها على تحضير أكلات خفيفة في المنزل واكسسوارات بسيطة التكلفة ومن ثم بيعها للناس او مشاركتها في معارض خيرية وكل يوم كان الطلب على مأكولاتها يزيد واصبحت تجني ما يكفيها هي وعائلتها في سد احتياجاتهم البسيطة من خلال عملها اليومي المستمر وكان مدير الجمعية الخيرية التي تتردد اليها يشجعها ويحاول دعمها من خلال ايجاد زبائن لها عن طريق الهاتف وعندما زاد العبء عليها قررت ايجاد فتيات يعملن معها وعمل معها شاب من قريتها لإيصال الطلبات الخارجية وكان رقم هاتفها هو صلة الوصل بينها وبين الناس لتلبية حاجاتهم أثناء عزائمهم وفي الاعياد. استمر الوضع على ما هو عليه لما يقارب الشهران والنصف وبدأ وضعها المادي بالتحسن شيئا فشيء.
وبعد فترة انخفض الطلب عليها في الوقت الذي لم يكن هاتفها لا يهدأ طوال النهار اصبحت لا تسمع رنينه الا بالنادر وساء وضعها المادي عادت جميلة لمأساتها الاولى بالبحث عن عمل آخر لتسديد اجار منزلها التي لم تعد باستطاعتها دفع اجاره إضافة لعدم قدرتها تلبية احتياجات عائلتها من الطعام والدواء.
اضطرت “جميلة” ترك منزلها واستبداله بمنزل يتألف من غرفة و وحمام ومطبخ صغير ريثما يأتيها الفرج من عند الله فعرض عليها مدير الجمعية التي كانت تتردد اليها العمل معه بالجمعية ولكن براتب بسيط لمساعدتها على تغطية مصاريفها اليومية وفعلا بدأت بالعمل بجد وبإخلاص وبعد عدة أشهر ” لاحظت تغير في معاملة مدير الجمعية لها وصار يحاسبها على اي تقصير او تأخير ويتأفف من تصرفاتها ولكنها كانت تقول لنفسها ” معليش اصبري لبينما ربنا يفرجها عليكي يا بنت “
وفي يوم من الأيام اتصل بها مدير الجمعية ليلا” استغربت اتصاله في هذا الوقت المتأخر فهو لم يسبق له ان يتصل بها الا للضرورة وحين ردت على الهاتف جاءها صوته عاليا” وهو يقول : في طردين اغذية ناقصين من المخزن ممكن اعرف وينهم ؟ لم تستوعب الكلام .. ثم أعاد السؤال عليها مرة اخرى… ردت جميلة وانا شو بعرفني ؟؟ كيف لا تعرفين ؟؟ لقد عملت جردا” للمخزن هذا الصباح والأن وجدت نقصا” به على كل حال تعالي غدا” صباحا” باكرا” لنتفاهم هناك أمور كثيرة علينا التحدث بها
وفعلا” ذهبت جميلة في صباح اليوم التالي مبكرة الى الجمعية على غير عادتها مع انها لم تنم ليلتها من طريقة حديث مدير الجمعية معها وهي تفكر .. ما الذي حصل ؟؟ ولماذا هذا التغير المفاجئ بتعامله معها؟
وحين دخلت الجمعية وجدت صديقاتها في العمل موجودين أيضا” وكلهم كانوا قد أتهموها سلفا” بأنها هي المسؤولة عن هذا النقص وبأن مفاتيح المخزن كانت بحوزتها طوال اليوم وفي حقيبتها وأن هناك سرقات كثيرة كانت تتم ولم يتم اخبارها بها في البداية وهنا أخبرها مدير الجمعية أنه لا يريد أن يراها ثانية.. ولن يعطيها أجرها وسيعتبر أن الطردين الغذائيين اللذين اختفيا هو أجرها لهذا الشهر وسيغض الطرف عن السرقات السابقة “على شان الخبز والملح الذي لم تحفظه “..على حد تعبيره نظرت الى صديقاتها والدموع في عينها وهي تحاول أن تشرح له أنها مظلومة، وأن لا علم لها بما يحصل، لكنه صم آذنيه ولم يرد أن يسمع منها شيئا” حتى صديقاتها اللواتي كانت تأكل وتشرب معهن يوميا” لم يدافعن عنها وكانوا ينظرون اليها نظرات لم تستطع تفسيرها هل هي نظرات استغراب ؟؟ أم شماته ؟؟ ام ماذا ؟
وخرجت لا تلوي على شيء وطوال الطريق تبكي وتحدث نفسها بصوت عالي ” والله انا مظلومة ” والله لا أعرف ماذا حصل ؟؟ والله لا أعرف أين اختفت الطرود الغذائية ” ومن الذي كان يسرق طوال هذه المدة ؟؟ وكان المارة في الطريق ينظرون اليها نظرات إستغراب ودهشه وربما يقولون في نفسهم : مسكينه هذه الفتاة مجنونه وعادت الى البيت مقهورة ولا ترى من كثرة البكاء لم تجب على اسئلة والدتها المتكرر عما حصل ؟؟
نظرت الى اخوتها الصغار وهي تبكي وتقول لهم .. رزقكم في السماء وما توعدون الله لن يخذلني وسيرزقني ويعوضني خيرا” وبقيت جميلة في المنزل طريحة الفراش لمدة اسبوع لم تعد تأكل أو تشرب ونزل وزنها كثيرا” وشحبت عيناها ووالديها ينظرون إليها بأسى وألم وبما حل بابنتهم الغالية ويندبون حظها السيء أينما رحلت فلم تذق سعادة زواجها.. ولم تنجب طفل يملي عليها حياتها وحملت مسؤولية اهلها واخوتها الصغار وحين هُجرت أيضا من بلدها لم يفارقها سوء الحظ وكانت والدتها المسكينة تحاول أن تخفف عنها وتقول لها لا تقنطي من رحمة الله يا ابنتي “ربك على الظالم
 كان هذا دعاء جميلة اليومي وهي على سجادة الصلاة اللهم انتقم لي ممن ظلمني وحاول تشويه سمعتي وفي أحد الأيام زارتهم جارة تسكن بالقرب منهم منذ فترة وجيزة بعد عزيمتها على فنجان قهوة. ومن حديث لحديث أخبرت جميلة أنها ربما تستطيع مساعدتها في إيجاد عمل من المنزل بعد ان عرفت عنها شطارتها في إعداد الطعام وقالت لها : أعرف امرأة تعمل بهذا المجال وسأحدثها عنك وأخبرها عن حاجتك للعمل وسأعطيها رقم هاتفك لتتصل بك وافقت جميلة على ذلك وانتظرت اليوم الذي ستتصل بها هذه السيدة بفارغ الصبر وفعلا” بعد أيام قليلة رن هاتف جميلة وسمعت صوت امرأة تقول لها : ألو مرحبا انت جميلة ؟ اجابت .. نعم سمعت عنك الكثير هل من الممكن ان نلتقي ؟؟ بالتأكيد متى وأين…؟؟ وفعلا ذهبت جميلة .. وحين دخلت منزل السيدة أم هاني رحبت بها كثيرا” وطلبت منها الإنضمام للعمل معها بعد أن سمعت عن شطارتها في تحضير الحلويات والمأكولات السورية وقالت لها :سأعرفك بعد قليل على المسؤولة عن كل العمل لدي هي تعمل بهذا المجال منذ أن أتت الى الأردن ولها زبائن كُثر وطلباتهم لا تتوقف أنا فقط صاحبة المشروع وادعمهم بالمال والمكان والسيدة تكمل كل شيء .. وبصراحة مشروع مربح جدا” حين تأتي اتفقي معها على كيفية العمل.
ورن جرس الباب وذهبت الخادمة لتفتح الباب للزائرة المنتظرة دخلت السيدة وحين رأتها جميلة فتحت فمها و أصيبت بالدهشة والذهول .. نعم نعم لا تستغربوا .. لقد كانت السيدة المنتظرة..!! هي إحدى الفتيات التي كانت تعمل عند جميلة نظرت الإثنتان الى بعضهما .. وقالت لها: أنتي ؟؟ أنتي ؟؟ أنت وراء كل شيء .. طبعا” السيدة المنتظرة .. طأطأت رأسها ولم تنبت ببنت شفه وفي ثوان انتبهت جميلة لنفسها فتحت الباب وخرجت مسرعة من البيت وهي تركض وتركض وتركض .. و صوت بكائها العالي لفت انتباه كل من في الشارع المهم الان أن جميلة وأسرتها كانوا من بين الأسر اللذين وقع اختيار المفوضية عليهم للجوء الى بلد اوروبي تقول جميلة : بعد تجاربي المريرة لن أرجع الى سورية ابدا حتى لو تحررت الأرض فالنفوس لم تتحرر بعد والذي رأيته من أبناء جلدتي لم أره هنا من الاجانب .. هنا يعاملونني كإنسانه سجلوني في معهد لتعليم اللغة وسأكمل تعليمي بعد ذلك ،واخوتي الصغار في المدرسة ويعطوننا راتبا” شهريا” حتى نستطيع الانطلاق في حياتنا من جديد .. وبصراحة لا أختلط بالسوريين هنا كثيرا” خوفا” منهم ودرءا” لاي مشكلة معهم … هون بيعملوا من البراغي ناطحات سحاب وتكنولوجيا وحضارة .. وعنا بسورية بيعملوا من طق البراغي دمار وخراب لبعضهم البعض .. ليش ؟؟ ليش؟؟
وحين سألتها عن فضولي بأن أعرف مالذي حصل بالجمعية ومن كان وراء طق البرغي لها ؟؟ومن الذي اتهمها ؟؟ اخبرتني انها اكتشفت لاحقا” أن إحدى زميلاتها نصبت لها هذا الفخ مع موظف يعمل معهم، وكانت هذه الزميلة من اللواتي أُسٍر لها بكل ما يحصل معي ومع عائلتي وكنا يوميا” نتناول الفطور ونشرب الشاي ونذهب الى السوق معا” وكانت أمي تحبها جدا” وصدمت حين عرفت بذلك لم يكن يخطر ببالي أبدا” ان تكون هي من طعنني بالخنجر .. كنت أغلب الأحيان أعطيها المفاتيح لجلب أغراض من المخزن حين أكون مشغولة مع الناس .. فوضت أمري فيهم لله ولم أعاتبهم ولم أواجههم لا لشيء ..الا لأنني كنت محبوبه من الجميع لحسن تعاملي ولباقتي مع اللاجئين من أبناء بلدي فطقوا لي برغي عند مدير الجمعية ليخلصوا مني ويسرقوا على كيفهم ، وهو صدقهم يصطفل خليه يتحمل نتيجة عدم ثقته فيٍ
أما عن المرأة الأخرى التي تعرفت عليها عند السيدة فقد كانت تعمل لديْ ولكن اكتشفت أيضا” لاحقا أن هذه الفتاة كانت تعطي رقم هاتفها للزبائن بعد ان ضاع جوالي الموجود فيه رقمي الأساسي ولم أكن قد اشتريت رقم أخر فكان رقمها هو من يتصل به الزبائن وتقول لهم بأنني سافرت خارج البلد فأصبحت هي من تتواصل معهم ولم يعد أحد يتصل بي… وصرت متأكده الأن انها هي من سرق جوالي ..

أول برغي أكلته بحياتي هو من بيت حماي لما طقوا لي برغي عند زوجي بحجة انه بدهم ولاد واني أنا ما بخلف ولهيك طلقني وتزوج غيري طبعا هنا سأنهي القصة التي ستطول كثيرا” لو أكملتها وأخاف أن لا يتسع صدركم للإطالة ولكن ذكرت بعض من تفاصيلها لكي أصل الى المراد من سرد هذه القصة قصة جميلة هي واحده من آلاف القصص التي حصلت وتحصل مع معظمنا يوميا” ان كان بسوريا وان كان خارج سورية مصيبتنا بها البرغي مصيبة….والله مصيبة واذا ما خلصنا منه بحياتنا ما رح ننتصر وما رح نتقدم…. وما رح تخلص الثورة اللي قمنا فيها لحتى نحب بعض ونتمنى الخير لبعض

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.