السوريون ومتلازمة السعودية.. عذراً صديقتي لجين الهذلول

وقد ورثنا كل أمراض الطبقة السياسية السورية ـ المصابين بمتلازمة كراهية ذوي الأصول البدوية مهما جهدوا لإخفائها ـ متى نتعلم أنه لا حلول وسطى مع العنصرية؟ إما ان تكون عنصرياً أو لا تكون، إما أن تحمل عقلية مختلفة أو تبقى نسخة محدثة مما هو سائد!

الأيام السورية؛ عمار عكاش

منذ طفولتي وأنا أسمع آراء عديدة عن السعوديين من محيطي في سوريا، في المدرسة كان أساتذة مادة التربية القومية يرددون عبارة “أطهر أرض وأنجس شعب” وكنت حين أستمع إليهم أشعر وكأن نكبة فلسطين وتأسيس إسرائيل سببه الأول السعودية، علماً أن النظام السوري كان لفترة طويلة يتلقى مساعدات من السعودية، وكانوا بين الحين والآخر يمتدحون الملك فيصل الذي كان قومياً برأيهم وصاحب مواقف مشرفة فتم اغتياله من قبل الاستعمار، دون أن يلاحظوا أي تناقض في كلامهم لأن الملك فيصل طفرة برأيهم.

يشبه هذا الكلام كلام الأتراك أصحاب النظرة النمطية حين يحبون سورياً: “إنه سوري لكنه ليس كباقي السوريين”، بدل أن يصلوا إلى استنتاج أن الشعوب تتنوع ولكل منها ظروف حياتية مختلفة وإرث مختلف، وأن المشكلة في نظرتنا وليس في الحقيقة الموضوعية الماثلة.

كما كان يمر علينا بعض مدرسي الديانة المعجبين سراً بالنموذج السعودي في الحكم والذي يتم فيه قطع يد السارق، وكان الأشخاص غير القوميين ينتقدون فكرة الوحدة بين الشعوب العربية ضاربين المثل بالسعودية: “بالله انا شو بجمعني مع السعودي ولا الخليجي”.

وحين انتقلت إلى تركيا لم يتغير التوجه العام بين كثير من السوريين المتعلمين والمثقفين، فكان كلما دخلوا في نقاش مع تركي أو أجنبي: “نحن شعب منفتح صاحب حضارة لسنا مثل السعودي، السعودية هي من صدّر التطرف… الخ”، وطبعاً من الممكن أن يذكروا أفغانستان أيضاً.

كلود ليفي شتراوس يعلمنا درساً بنيوياً إنسانياً أنه لا يوجد شعب أذكى من شعب ووراء كل عادة تقف جملة أسباب، ويجب أن نفهم ضمن البنية التي أنتجتها بدل إطلاق الأحكام ذات الطابع الأخلاقي أو التصنيفي.

وعلى شبكة الإنترنت كلما أراد شخص أن يعبر عن مصيبته الكبرى في كراهية السعودية ومواقفها التطبيعية يكتب مرثية عن نضالات شعوب المنطقة والفلسطينيين التي تخونها السعودية ويختم معلقته بعبارة شاربي بول البعير.

بعد تزايد اهتمامي بعلم الأنثروبولوجيا تبادر إلى ذهني تساؤل عن سبب وجود هذه العادة في السعودية، فكلود ليفي شتراوس يعلمنا درساً بنيوياً إنسانياً أنه لا يوجد شعب أذكى من شعب ووراء كل عادة تقف جملة أسباب، ويجب أن نفهم ضمن البنية التي أنتجتها بدل إطلاق الأحكام ذات الطابع الأخلاقي أو التصنيفي، فمثلاً في بعض مناطق الصين النائية شديدة الفقر يتناولون كل أنواع المخلوقات من حشرات وحيوانات وطيور بسبب تاريخ طويل من الفقر والمجاعات، لدرجة أن لديهم مثلاً شعبياً: “نأكل كل شيء له أرجل ما عدا الطاولة والكرسي”، نفس هؤلاء الناس حين يمر لقلق مهاجر وتصاب رجله يقومون بتجبيرها حتى يشفى، لأنهم مقتنعون أن الخير بالمعنى الديني يجوز لكل المخلوقات الحية! كما أنني حين قمت ببحث بسيط على اليوتيوب عن عادات شرب البول (وقد يبدو الأمر مدهشاً) اكتشفت أن هذه عادة موجودة لدى بعض الشعوب وتوجد دراسات علمية تشير إلى وجود فوائد لها.

لجين الهذلول قبل توقيفها (سي إن إن)

ليس موضوعي الدفاع عن عادات أحد أو تبنيها، لكن أود أن أعبر عن امتعاضي من هذا التغوّط العقلي العنصري تجاه شعب كامل نجعل منه جملة مقارنة كي نشعر بأن سوريا بلد متقدم متنوّر، ولا توجد فيه أي أرضية اجتماعية وفكرية تهيّء للتأثر بالتيارات السلفية أو الجهادية، عدا أنني سمعت في أكثر من مناسبة علمانيين سوريين وأناساً يفترض أنهم حديثو التوجه كلاماً يهوّن من مشاكل المرأة في سوريا، ومطمئنين إلى أن وضع المرأة في سوريا ليس مثل السعودية، علماً أنه لو عالجنا الأمر من منظور سوسيولوجي، لوجدنا سوريا كانت وما تزال تدور في فلك محافظ لم تكسر فيه القوانين الأساسية التي تخصّ التعاطي مع المرأة، فسواء ارتدت المرأة السورية ميني جوب كما حدث بين بعض الفئات في سبعينات القرن الماضي أو ارتدت الحجاب، ففي كلتا الحالتين بقيت جرائم الشرف منتشرة، وبقيت المرأة لا تمتلك مصيرها حول قرارات حياتها، وبقيت كل امرأة تتزوج من ابن طائفتها حتى لو أحبت أحداً آخر بسبب رفض الأهل، عدا عن أنه من السخف مقارنة بلد ذي ظروف مختلفة وشروط اجتماعية مع سوريا مختلفة تماماً لأغراض غير علمية، إنما لاغراض إرضاء الذات.

سواء ارتدت المرأة السورية ميني جوب أو ارتدت الحجاب، ففي كلتا الحالتين بقيت جرائم الشرف منتشرة، وبقيت المرأة لا تمتلك مصيرها حول قرارات حياتها، وبقيت كل امرأة تتزوج من ابن طائفتها حتى لو أحبت أحداً آخر بسبب رفض الأهل.

إن نزعة تصنيف الشعوب حسب مستوى تحضّر افتراضي هو أمر أول من برع فيه النازيون حضرات المثقفين السوريين، وحين تصنف شعباً ما على أنه أدنى منك بسبب اعتقادك أنك تملك حضارة، سيأتي من يصنف بأنك أدنى منه حضارياً وحينها ستصرخ يا له من عنصري وفاشي.

وفي السنوات الأخيرة في اسطنبول التقيت نساء سعوديات ترغبن بتحسين حياتهن، ومؤخراً لدى إطلاق سراح المناضلة السعودية لجين الهذلول، شعرت بخجل وأنا أنظر إلى وجهها المتعب المشرق بابتسامة جميلة مقبلة على الحياة، وتمنيت لو أقول لها: اعذريني يا هذيل، فقد تشردنا في الأرض ولم نشف من أمراضنا، نصنف أنفسنا في سوريا إلى ابن مدينة وضيعجي، وقد ورثنا كل أمراض الطبقة السياسية السورية من القوميين السوريين (المصابين بمتلازمة كراهية ذوي الأصول البدوية مهما جهدوا لإخفائها) والبعثيين والشيوعيين وكثير من ملحدين ألحدوا دون مضامين إنسانية مساواتيّة، متى نتعلم أنه لا حلول وسطى مع العنصرية إما ان تكون عنصرياً أو لا تكون، إما أن تحمل عقلية مختلفة أو تبقى نسخة محدثة مما هو سائد!.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.