السوريون ومأساة فرانكشتاين

عن ردود فعل بعض السوريين على انفجار بيروت.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

هزّ يوم أمس انفجار ضخم مرفأ العاصمة بيروت، وتشير الإحصائيات الأولية إلى وقوع عشرات القتلى ومئات الجرحى. ويجيء الانفجار أشبه بمشهد الذروة في فلم تراجيدي طويل أخرجته وكتبته السلطات الحاكمة في بيروت، سلطات بكوات الحرب وأمرائها الذين دمروا البلاد، وفشلوا في تقديم أبسط الخدمات للمواطنين وواصلوا سياسة الحرب الطائفية الباردة، وتقاسم ريع المزرعة.

هالني أن أرى عدداً غير قليل من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي يشمتون بالقتلى والضحايا المدنيين، بحجة العنصرية ضد السوريين في لبنان، وبسبب تدخل حزب الله في الحرب السورية، إنها عقلية همجية لا يمكن بأي شكل من الأشكال قبولها وتبريرها.

منذ اندلاع الحرب في سوريا التي أوقعت مئات الألوف من القتلى ظهرت هذه العقلية، وبدأ قسم من السوريين بالتشبّه بجلاديهم، بدأ الأمر داخل سوريا أولاً في الشماتة في موتى الآخرين، مثل ما كان يحدث لدى قصف المعارضة بمدافع جهنم البدائية للمناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، حتى أن ثمة رأياً متطرفاً، وله عدد غير قليل من الأنصار، يرى أن جميع من يقطن مناطق النظام خائن ويستحق الموت، وفي مناسبة أخرى منذ قرابة ستة أعوام، قطعت المياه عن مدينة حلب، بمباركة عدد من أعضاء المجالس المحلية في مناطق المعارضة، فهم يرون أولاً أن أهل حلب لم يقفوا مع الثورة ويستحقون العقاب.

وثانياً: يحركهم مبدأ الغاية تبرر الوسيلة. هؤلاء أنفسهم كانوا يتشدقون دائماً وأبداً أمام ممثلي المجتمع الدولي بأنهم حين يصلون إلى الحكم لن يحاسبوا سوى القتلة والمجرمين، وبأنهم لا يفرقون بين المواطنين السوريين بناء على موقفهم من النظام، وهم كانوا في كل قصف ينفذه النظام والروس على المدنيين يصيحون من وراء الكاميرات: “النظام يقصف الأطفال، النظام يقتل المدنيين”، وينددون بالحصار الإجرامي على بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة في دمشق، لكن المفارقة أنهم هم أنفسهم لم يقصروا في حصار الفوعة ونبل والزهراء بذات الطريقة.

بعبارة أخرى أثبتوا أن الفارق بينهم وبين النظام هو في حجم القدرات العسكرية فقط، أكثر مما هو فارق أخلاقي حقيقي، فهم مارسوا جزئياً على الأقل نفس ممارساته حين أتيحت لهم الفرصة، هذا عدا عن أنّ معظم فصائل المعارضة المسلحة مارست التعذيب والتصفية مثل مخابرات النظام، وكذلك فعلت وماتزال قوات سوريا الديمقراطية في مناطق سيطرتها.

على المستوى البَيْني للفئات المعارضة للنظام، بدأت الهمجية أولاً في ظاهرة الشماتة في القتلى بين السوريين العرب والسوريين الكرد، فلدى تهجير عرب تل رفعت وعرب تل أبيض شاهدنا عدداً من ناشطين ومثقفي الكرد ينكر وقوع العملية، ويتهم المنظمات الأممية التي وثقت التهجير بالكذب، وبعضهم كان في مجالسه الخاصة يقول دون حياء إنهم دواعش يستحقون ما يحلّ بهم، ولاحقاً حين بدأ غزو عفرين من قبل ميليشات من اللصوص وقطاع الطرق وأرباب السوابق، وقف أغلب جمهور الثورة مع العملية، وبكل راحة ضمير استولى عدد كبير من النازحين على بيوت السكان المحليين، والتبرير جاهز: هؤلاء كرد (وكأنهم جماعة من دولة أخرى) وهم ليسوا معنا ( وأسأل هنا عمّا تعبّر عنه هذه ال نا، وأشك أنها نا ثورية).

بدأت تروج بين فئاتٍ من جمهور المعارضة عقلية مرعبة في عبثيتها، وكرهها المنفلت دون ضوابط، ففي كل حدث إرهابي يقع منذ عام ٢٠١٢ في أي بقعة من العالم مالم يكن الضحايا من المسلمين السنة، نجد ردود فعل شامتة. لدى وقوع التفجير الإرهابي في باريس عام ٢٠١٥، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تعليقات تراوح بين الشماتة المباشرة، وبين التعاطف المشروط الذي يقارن بين عدد ضحايا الحادثة وضحايا سوريا ويرى أن ضحايا باريس لا شيء مقارنة بضحايا سوريا، وكأن ذلك خطيئة آباء وأمهات الضحايا الذين قتلوا، وهم دافعو ضرائب ساهموا في الأموال المخصصة لاستقبال اللاجئين السوريين.

وفي حادثة غرق الطفل آلان الكردي، التي جاءت تعبيراً بصرياً فاجعاً ومكثفاً عن المأساة السورية، وجدنا من يقول أن ما جعل العالم يكترث لموت آلان هو أنه من أبناء الأقليات، علماً أن جسد آلان المستلقي الذي ظهر في وسائل الإعلام بدا محايداً يرتدي ثياباً تشبه ثياب أي طفل في العالم وكأنه نائم ببراءة!، هذه الصورة البصرية جلبت تعاطفاً عالمياً منقطع النظير، وجعلت ملايين الآباء والأمهات يشعرون أن آلان يشبه أبناءهم، وساهم الجهد الكبير الذي بذلته منظمات مدنية أوربية في تحريك الرأي العام للضغط لاستقبال مئات الألوف من اللاجئين السوريين في أوربا، وكأنّ جسد آلان السوري صار يسوعاً صغيراً افتدى الآلاف كي يعبروا على جسده إلى ملاذ آمن في أوربا.

إن قلة اكتراث البشر في باقي أجزاء العالم لما يحدث في سوريا؛ ليس خطيئة السوريين العاديين وليس خطيئة الناس من باقي دول العالم، فالمسألة هي حصيلة مصالح سياسية واقتصادية ونتاج عمل إعلامي، وهناك جملة عوامل نفسية لا يتسع المجال لشرحها الآن؛ تؤثر في بناء تعاطف فعال يقود لتدخل دولي ينهي المأساة السورية، وأسأل هنا كل سوري: من منا كان يكترب للحرب الأهلية التي اندلعت في الصومال التي لم نعرف عنها سوى موزها اللذيذ؟. استمرت هذه الحرب قرابة الثلاثين عاماً، وبعد تدخل أمريكي وجيز أوائل التسعينيات سرعان ما تُرِك الصوماليون لمصيرهم. أذكر أن كثيراً من السوريين لدى رؤيتهم شخصاً هزيلاً كانوا يقولون على سبيل التندّر: “ضعيف متل الصوماليين”. لأن ما علق في أذهانهم من مأساة الصومال هو مشاهد الصوماليين ذوي العظام البارزة الذين كانوا يعانون من المجاعة!.

وفي العقد الأخير قبل اندلاع الثورة كان معظم جمهور الثورة يدافع عن حزب الله وقسم منهم يعلق صور حسن نصر الله في بيته، ويعتبر فريق ٨ آذار اللبناني عميلاً للغرب وإسرائيل. ما أريد قوله هنا إن البشر أبناء ظروفهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومبدأ تحييد البشر أثناء الحروب جاء حفاظاً على المشترك الإنساني، ولا يجوز تقسيم المدنيين إلى أخيار وأشرار حسب مواقفهم السياسية، فهذه العقلية بالذات هي من تولد أشد الحروب فتكاً وتدميراً، وتؤسس لشيطنة الآخر واستباحته.

مر السوريين دون شك بظروف وحشية دفعت ميشيل سورا إلى وصف سوريا الأسد بالدولة المتوحشة، حيث عاد النظام بسوريا إلى شكل بدائي يحكمه العنف المطلق، ومنذ ذلك الحين والسوريون يختزنون العنف في نفسياتهم وأجسادهم و وعيهم، وجاءت انتفاضة السوريين ضد النظام السوري أملاً في حياة كريمة مختلفة، وسرعان ما دخل السوريون دوامة الحرب، حيث عمّ الموت والعنف والوحشية، حافظ فريق من السوريين على إنسانيتهم وأصرّوا على حلمهم الأول في وطن يجمع جميع السوريين ولا يميز بين أبنائه، وأرادوا من كل هذا الموت الحياة للجميع، فيما كان فريق آخر أشبه بفرانشكتاين الميّت الذي جمعت أشلاؤه، ونفخت فيها الحياة، وهام على وجهه في العالم من مكان لمكان، ينتقم لما لحق به من عنف، وممن قابلوا حبه بالكراهية، لكنه لم يحصل على السكينة حتى بعد أن قتل من اعتبره ظالمه، فيقول في خاتمة الرواية الشهيرة قبل انتحاره:

“ لقد تخلصت من جميع مشاعري، وقررت أن أعربد بكامل يأسي. وقتها أصبح الشر خيراً عندي، وبهذا لم يكن أمامي خيار سوى تكييف طبيعتي مع عنصر جديد اخترته بإرادتي: أن أواصل انتقامي، وهكذا واصلت انتقامي الشيطاني بالفعل في شغف ونهم. ولكن كل شيء انتهى الآن، وها هي ذي ضحيتي الأخيرة”.

لا سبيل لبناء وطن جديد، ولا سبيل لبناء حياة جديدة للسوريين في منافيهم، بهذه العقلية التي تتشفى بضحايا يشبهون السوريين!، ولست هنا بصدد خطاب رومانسي “حبوا بعضكم”، بل بصدد أن أقول: إن واصلنا تشبهنا بجلادنا، سينتصر الأسد حتى لو رحل.


عمار عكاش: كاتب ومترجم سوري – مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.