السوريون ودوار الأحداث والأزمات

هل ما جرى ويجري في ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي خلال العام المنصرم، جعل السوري يفقد الثقة بكل المتدخلين الخارجيين، وكشفت له زيف التسميات من أصدقاء سوريا والشرعية الدولية والضامنين وغيرها؟

58
الأيام السورية؛ خالد المحمد

ربما من أكثر الجمل التي ردّدها السوريون في أحاديثهم “يلي مر علينا ما مر على حدا ولا يمكن يمر” والمقصود خصوصاً في هذه الجملة أحداث الثورة السورية خلال التسع سنوات الماضية. والتي بدأتْ بكتابات على الجدران، وتطورت إلى تظاهرات سلمية ثم مناوشات مسلحة، انتهتْ بحرب وتدمير وتشبيح، وتهم إرهاب وتدخلات خارجية وتفاهمات دولية واقتراب البلد من حافة التقسيم رسمياً.

هذه الأحداث لم تقتصر على الجانب الميداني أو السياسي، بل من البديهي أن تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والطبية، فهذه الجوانب مرتبطة ببعضها بشكل لا يمكن فصله، فالوضع السوري يعيش اليوم حالة من “تأزم الأحداث وتفريخ الأزمات” بشكل بات غالبية السوريين يعتبرونه مقصوداً ومخططاً لهُ، وليس صدفة أو نتيجة تطور درامي طبيعي للأحداث.

رغم عدم إيمان السوريين كثيراً بنظرية المؤامرة إلا أنهم باتوا يسلّمون بها، ومقتنعين بأن القاصي والداني نظر إلى الثورة السورية بعد تطور أحداثها كغنيمة يريد حصته منها، وأنهم تآمروا بشكل مخفي بداية تحت مسميات خداعة، وثم بشكل معلن على هذه الثورة.

واستطاع النظام ركوب هذه الموجة واستغلال مصالح الدول الخارجية في سوريا، ليكون أداة ووسيلة لتحقيق هذه المصالح مقابل إعادة فرض سيطرتهِ على ما تحرر من البلاد، واستمرار بقائه في السلطة، والتي ظهرتْ مؤخراً محاولات دولية وإقليمية لإعادة الشرعية لحكمه بشكل ما.

رغم عدم إيمان السوريين كثيراً بنظرية المؤامرة إلا أنهم باتوا يسلّمون بها، ومقتنعين بأن القاصي والداني نظر إلى الثورة السورية بعد تطور أحداثها كغنيمة يريد حصته منها.

في وسط هذه الأحداث المتسارعة رأى السوريون أنفسهم وسط دوامة ارتبطت بالأحداث الإقليمية والصراع في منطقة الشرق الأوسط، وسوريا هي العنوان الأبرز لنهج الفوضى الخلاقة، فصارت الأزمة السورية عنواناً وميزة حتى للأوضاع في الشرق الأوسط والعالم العربي، من العراق وما جرى فيه سالفاً وحالياً، والوضع الليبي وحرب اليمن والصراعات الإقليمية فيهما، إلى الجزائر وقطر وتركيا ولبنان..

أحداث تُذكر فيها سوريا والدرس السوري، وخصوصاً أن اللاعبين في هذه الأزمات والمتدخلين فيها هم ذاتهم أقطاب الصراع والتفاوض في سوريا، وهم من صنعوا سياسة تأزم أحداثها حتى باتت هذه السياسة عنواناً لجميع الأحداث في دول المنطقة.

المواطن سواء في مناطق النظام أو ما تبقى من المناطق المحررة، بات فعلاً تحت وطأة تأزم الأحداث وتفريخ الأزمات والتي باتت تمس حياته ومعيشته بشكل كابوسي، وترسخ فساد الطبقات الحاكمة والمتحكمة في شطري سوريا، مع استمرار تبعية هذه الطبقات إلى جهات خارجية وارتباطها عضوياً ووجودياً بها.

حتى المعارك على الأرض بات السوريون يعبّرون وبكل صراحة عبر منصات التواصل الاجتماعي وأحاديثهم اليومية، بأنها تمثيليات ومسرحيات متفق عليها دولياً، يؤديها أطراف الصراع السوري وغالباً دون أن يعلموا تفاصيل هذه الاتفاقات، ليكونوا حطباً لنضج هذه المخططات، في الوقت الذي يدفع المدنيون ثمنها موتاً ودماراً ونزوحاً وتشرداً وسط برد وأمطار لا يملكون ما يدفعها عنهم.

ما جرى ويجري في ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي خلال العام المنصرم كانت القشة التي قصمتْ ظهر البعير وجعلتْ السوري يفقد الثقة بكل المتدخلين الخارجين بقضيتهم العادلة، وكشفت لهم زيف التسميات من أصدقاء سوريا والشرعية الدولية والضامنين وغيرها…

وكذلك التفاهمات الدولية والإقليمية التي صارتْ تبدو لهم كمفاوضات محاصصة عليهم ومتاجرة بأرضهم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.