السوريون وثقل الانتظار بقلم: مالك ونوس

ومتى العودة إلى سوريا؟ سؤالٌ طرحته على رجل سوري صادفته في محطة القطارات. جاء السؤال كنهاية لحديث تعارفي قصير. نظر إليَّ نظرةً بدت عيناه فيها فارغتين من جواب، سؤال كأنه لم يطرحه على نفسه من قبل، أو كأنّ السؤال باغته ووضعه أمام حقيقته الراهنة. فبدا السؤال معلقاً في فضاء المحطة أو فضاء المدينة أو حتى فضاء هذا العالم، جاعلاً الجواب معلقاً أيضاً إلى حين تنبّه وأجاب بعبارة: “ننتظر يا صديقي، ننتظر كما ينتظر الجميع”.

بعد سنوات خمس من الحرب الدائرة في سوريا، بات جميع السوريين ينتظرون. كلٌ ينتظر شيئاً مختلفاً عن انتظار الآخر. هنالك مَن ينتظر سقوط النظام، وهنالك مَن ينتظر نهاية الثورة، أو التمرد أو الإرهاب (بحسب ما تحلو له التسمية). وهنالك من ينتظر العودة إلى البلاد، وينتظر آخرون الخروج منها. وكثيرون ينتظرون الوصول إلى مخيمات اللاجئين، للنجاة من المعارك والقصف. وفي المخيمات هناك مَن ينتظر الخروج. وهنالك أمهات ينتظرن عودة أبنائهن المفقودين أو ربما الأموات. وهنالك تجار الحروب وبائعو الأسلحة الذين ينتظرون استعار نيران الحرب أكثر لتزيد أرباحهم، وهم أنفسهم ينتظرون انتهاءها لزيادة أرباحهم في زمن السلم أيضاً.

وقع السوريون ضحية وعود، من هذا الطرف أو ذاك، باقتراب سريع لحلول، أقلّ ما يمكن أن يقال عن قربها أنه صعبٌ. بل يمكن القول إن تلاعباً قد وقع عليهم بفعل تناقل وسائل الإعلام لعبارات من قبيل: “تصريحات لمسؤول رفض الكشف عن اسمه” قال إن حلاً للمسألة السورية قد بات وشيكاً، أو تسريبات تناقلتها تلك الصحف أو تلك الإذاعات والفضائيات. أو تحليلات تناولتها هذه المقالة أو تلك، تجزم بشكل لا غبار عليه أن الحل قد أصبح على الأبواب، إلى آخر قائمة التوقعات.
كذلك وقعت المعارضة، أو جمهورها، في فخ انتظار سقوط النظام بطرق كانت تتبدل بحسب الواعدين. وكان أول ما انتظره بعض المعارضين هو إقامة منطقة حظر جوي شمال سوريا على الحدود مع تركيا تنفذها قوى “الناتو”، وعلى رأسها أميركا على غرار ما جرى في ليبيا. وكان الأمل أن تؤوي تلك المنطقة حكومة سورية انتقالية، وتكون منطلقاً لعمليات عسكرية ضد قوات النظام في المناطق الأخرى. وحين تبين عدم اكتراث تلك القوى بتنفيذ هذه المنطقة، مالت الآمال نحو تركيا لكي تضطلع وحيدة بتنفيذها، لكنها لم تفعل. ثم مُنّيت الآمال بالتدخل الأميركي الذي طالما لوح به الرئيس باراك أوباما حين رسم خطه الأحمر. وكانت تلك نكسة لزمن انتظار طال التعويل عليه كثيراً. وتأخر الكثيرون، وهم في طور انتظارهم، بالتصديق أن واشنطن السعيدة بدمار البلاد، لا تأبه لآلامهم او للضحايا الذين توقف المجتمع الدولي عن إحصاء عددهم منذ زمن.

في هذه الأيام، تخرج أصوات تعطي الانتظار دفعة جديدة للحياة، لا يُعرَف كم من الممكن استمراره فيها. فبفعل التطورات التي طرأت نتيجة تقدم المعارضة في إدلب وجسر الشغور وأريحا، ومؤخراً في الجنوب، برزت آمال لدى المعارضين بقرب الحسم العسكري لإسقاط النظام. لكن حدثت في المقابل تطورات أخرى، ليس أقلها الأنباء عن وصول، أو قرب وصول، آلاف المقاتلين الإيرانيين لمساندة النظام ووقف تقدم المعارضة. وهو أمر حري به أن يطيل النزاع أكثر ويؤخر حسم أي جهة للصراع. وعلى الجانب الآخر، برز تقدم لتنظيم “داعش” في وسط البلاد وغربها، مكّنها من بسط سيطرتها على منطقة واسعة أصبحت معها تسيطر على 50 في المئة من أراضي البلاد. وهو ما يعقّد الصراع أكثر ويزيده اشتعالاً.
يبقى أن الانتظار الأكثر إيلاماً، هو انتظار النازحين واللاجئين السوريين في مخيمات اللجوء التي تفتقد لأقل شروط العيش الإنساني. انتظار جعل الكثير من الأفكار تتنازعهم يومياً، فهم ينامون على آمال، يستيقظون في الصباح ليرونها وقد تبخرت. وفي حين قد عول الكثيرون على أيام أو أسابيع أو حتى شهور قليلة أن تجلب لهم الفرج، جعلت السنوات الخمس كل الآمال تتكسر كما تكسّرت مفاصل البلاد وتقطعت سبل التواصل بين أبناء الشعب فيها.

المصدر: السفير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.