السلفيّة والاستشراق.. ما الذي سيبقى من الإسلام إن ألغينا جانبه السياسي؟

لماذا يحاول الاستشراق، إعطاء الحركة الإسلامية طابعها السياسي منذ البداية وإغفال طبيعتها الثقافية؟ ولماذا يشاركهم السلفيون أيضاً. في هذا الترويج؟

127
الأيام السورية؛ علي الأعرج

عندما قام أبو بكر بحروب الردّة ضد المتراجعين عن الاتفاقيات المعقودة مع الرسول، لم يكن الهدف الجوهري منها ديني فقط، بقدر ما كان محاولة حثيثة من أبو بكر لإثبات أن الإسلام في الجزيرة قد أصبح مشروع دولة حديثة لها مقوماتها المدنيّة والمؤسساتية التي يجب الحفاظ عليها من الانهيار. بمعنى آخر، لم يكن الأمر استفادة اقتصادية كما يروّج لها الاستشراق، من محاولة دائمة لوصم الحركة الإسلامية بعين الاقتصاد التداولي، رغم أنه يمتلك حيزاً كبيراً من الصحة، إنما الهدف الأساسي هو الاستمرار في هذه الدولة الناشئة.

وربما ما يثبت صحة هذه النظرة، أن أغلب حروب الردة كانت مع مدعي النبوة في أواخر حياة الرسول وبعد موته، لكن في فترة حياته كان هناك أيضاً مدعو نبوة ولم يقاتلهم الرسول أبداً، وربما مثالهم الأبرز كان الأسود العنسي الذي كان نبياً في زمن نبوة الرسول، والذي لم يقاتله النبي، واستطاع العنسي من خلال النبوة أن يهزم الفرس ويوحد سلطة اليمن قبل أن تدمّر على يد المد الإسلامي في زمن الخلفاء لاحقاً.

وهنا يجب التنويه أن مدعي النبوة لم يكونوا أشخاص يحاولون تمثّل الرسول – كما روّج لها التفقه اللاحق وعلماء الدين – بقدر إدراكهم السياسي العميق لطبيعة المجتمع القبلي، تماماً مثلما كان النبي مدركاً ذلك، كطليحة الأسدي، وسجاح التميمية، ولقيط الأزدي، ومسيلمة الحنفي.. إفرازات مجتمع قبلي بتفوق أرستقراطي مُحارب، لا يمكنه بلوغ السلطة المنظّمة إلا من خلال الحركة النبوية. إدراكهم أنّ الظاهرة الدينية كانت الوحيدة القادرة على الترفّع إلى مصاف الدولة وإعادة إنتاج الاقتصاد السياسي المحلي وتحويله إلى اقتصاد توسعي من خلال إحلال مفهوم المؤسسة.

بطريقة ما يمكننا الجزم بهذه العقلية السياسية النبوية في نشوء دولة الإسلام وتماهي فكرة الديني مع السياسي منذ البداية، فحروب الردّة هي إثبات لهذا التماهي وترسيخ نظرة السلطة المنظّمة التي تستمد مشروعيتها من الرؤية الإلهية.

لذا لم تكن النبوة شيئاً طارئاً على ذلك المجتمع، إنما حركة طبيعية تحاول النهوض لتجميع شمل القوى المتفرقة لصناعة مفهوم دولة ودخول في بناء مؤسسات لها طابع مدني، وكان الانتصار للأكثر ذكاء وتهميش الباقي، ومثال العنسي دليل على هذا الارتباط التاريخي الذي بحاجة كي تُبنى الدولة إلى مشرّع ديني يدعمه، فلولا نبوة العنسي لما استطاع خلال فترة القيام بثورة ضد حكم الفرس في اليمن وتوحيد العرب اليمنيين، بغض النظر عما جرى له لاحقاً على يد الخلفاء الإسلاميين في صراعهم لتثبت الدولة الإسلامية على مجمل الجزيرة وهجرتهم شمالاً فيما بعد.

بطريقة ما يمكننا الجزم بهذه العقلية السياسية النبوية في نشوء دولة الإسلام وتماهي فكرة الديني مع السياسي منذ البداية، فحروب الردّة هي إثبات لهذا التماهي وترسيخ نظرة السلطة المنظّمة التي تستمد مشروعيتها من الرؤية الإلهية.

لكن بالمقابل لا نستطيع إطلاق هذه الرؤية السياسية العامة على مجمل الحركة؛ إن النظرة إلى الحركة المحمدية في بداياتها (المكية) على أنها حركة سياسية محضة وليست حركة ثقافية كانت تطمح لإعطاء صبغة ثقافية للعرب وإيجاد كتاب مقدس لهم مثل كل الشرق، هو ليس سوى ترسيخ للنظرة الاستشراقية اتجاه الإسلام ككل على أنه نشوء سياسي محض، وإسقاط المشروع الثقافي من السياق التاريخي له.

إن قارنا بين المنزّل المكي وبين المنزّل المدني، سنلاحظ بوضوح المشروع الثقافي الطامح لإنشاء هوية أخلاقية وإصلاحية لمجتمع قبلي صغير في مرحلة مكة من خلال بعض الحكايات التاريخية لأنبياء سابقين، وبين مشروع سياسي توسعي في مرحلة المدينة.

بغض النظر عن الظروف التي مرت بها الحركة من هجرة، وما حملته من تماهي القسم الثاني بين السياسي والديني، والذي ما زلنا ندفع ضريبته حتى اليوم، وتم ترسيخه من الخلفاء بعد الرسول، لكن ماذا سيبقى من الإسلام كدين إن تمت إزالة السياسي منه؟.

حرب فصل الدين عن الدولة لإنشاء منظومة حضارية لمجتمعاتنا، يتم مناهضتها بأقسى صورة لأن القائمين على الهيكلية المؤسساتية الدينية لن يبقى لهم أي سلطة فعلية ولن يكون لهم أي ثراء يحققونه من وراء الناس.

ببساطة ما سيبقى هو المنزّل المكي، أي الحالة التي لا تفترض أي إجبار ثقافي وعقلي على المجتمع، ويتعامل بمنطق حرية السلوك إلى أقصى حد، وأخلاقية وروحانية الإنسان وعلاقته مع الرب الرءوف والحليم بعباده. إنه لن يستطيع الاستمرار بالمعنى العملي والتوسعي، وسيتم إسقاط سدنة المتسلطين في عالمنا اليوم.

لذا فإن حرب فصل الدين عن الدولة لإنشاء منظومة حضارية لمجتمعاتنا، يتم مناهضتها بأقسى صورة لأن القائمين على الهيكلية المؤسساتية الدينية لن يبقى لهم أي سلطة فعلية ولن يكون لهم أي ثراء يحققونه من وراء الناس، لن يبقى لهم سوى سور كـ (التين، الكافرون، التكاثر، الإخلاص، العنكبوت، مريم، الكهف، يوسف، القصص، النمل، لقمان.. الخ) جميعها سور حكائية لا تفيد أي إكراه أو قوة أو سلطة سوى محبة الرب دون إنزال الله إلى الشارع. لن يكون لديهم أي مسوّغ للسيطرة الاجتماعية وفرض قوانين خاصة للعلاقات البشرية (المعرفية والسلوكية والجنسية)، سيفتقدون للسلطة الحياتية التي أباحتها سور المدينة.

لذا يحاول الاستشراق دائماً إعطاء الحركة الإسلامية طابعها السياسي منذ البداية وإغفال طبيعتها الثقافية، وهو ما يروجه السلفيون أيضاً. الجميع لا يريد أي مشروع نهضوي روحاني يعامل الذات الفردية كذات اختيارية في اعتناقها للدين أو رفضها، بل إجبار الجميع على الخضوع السياسي لمفهوم الدولة والسعي لإعادة إنتاجها بالقوة.

السلفيّة والاستشراق يلتقون بوضوح في مهمة واحدة ولو اختلفوا في الهدف.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.