السخرية من الرموز والعقلانية.. الاستهزاء فن وواجب أخلاقي في نقد السلطة

يحاول بعض ممارسي الثقافة والفنون، إيجاد توافقية ثقافية تحاول احترام السلطة ورموزها، ونقدها بطريقة يتم تسميتها عقلانية، على الرغم أنّ السلطة لا تستخدم اتجاه الأفراد أي آلية نقدية عقلانية، بل ما تفعله السلطة هو فرض قانون وتجريم من لا يلتزم به، إذاً لماذا يجب على الأفراد الذين يمارسون الثقافة أن يمارسوا اتجاه تلك المؤسسات النقد المهذّب والمحترم!

الأيام السورية؛ علي الأعرج

واحدة من المشكلات التي يعاني منها الكثير من البشر، بمن فيهم أنا على نحو شخصي، هي عدم القدرة على التواصل مع الآخرين بالطريقة اليومية التي يتواصل فيها البشر بين بعضهم، حيث يتعاملون مع الأشياء من منظور ثابت، وهذا بطبيعة الحال يعطيهم راحة نفسية وعقلية في التعامل مع الحياة كما هي بحضورها المتقدم أو المتخلف؛ إنهم يمتلكون مجموعة جاهزة من التعريفات والمفاهيم والمواقف الفكرية والأخلاقية إزاء الأشياء في هذا العالم، وربما أهم ثابت هو علاقة الإنسان مع السلطة التي تحدد له شكل حياته من واجبات والتزامات.

هذه الأنماط التعريفية الجاهزة في الوعي العام، أشبه بشخص يتعامل مع تلك المفاهيم كالمناديل الورقية الجاهزة على أحد رفوف الماركت، إنها ثوابت قائمة تجعل بعض الأشخاص الذين لا يلتزمون بتعريفات معينة على تماس وصراع دائم مع البشر وأفكارهم.

هنا تصبح إعادة تعريف الأشياء والمفاهيم بحد ذاتها لدى البعض، أولوية بشرية وتحتوي على متعة الابتكار؛ ولو كانت مفعمة بالأخطاء الإنسانية، الهدف الأساسي ألا يكون هناك ثابت، لا منطقي ولا عقلاني ولا ذكي ولا غبي أو خاطئ كذلك، كلّ شيء قابل لإعادة الخلق والاكتشاف والتغيير.

وواحدة من الاختلافات المفهوماتية لدى الناس هي فكرة النقد العقلاني الذي يأتي على هيئة ثقافية ويحاول جاهداً إنشاء منظومة فكرية ولغوية تحترم الآخر ليجادله بأخطاء ما يمارسه ذلك الآخر، ولا نقصد الآخر هنا، ذلك الكائن البشري الذي يمتلك النزعة الفردية في فهم حياته وتحديد سلوكياته، بل نقصد بالضبط الهيكلية المؤسساتية (السلطة بأنواعها) التي تحدد علاقتها مع الأفراد، والأفراد التابعين للسلطة، الذين يدافعون عنها وكأنهم يتامى ووجدوا من يقمعهم ويمارس ساديّته على مازوخيّتهم على طول الخط.

إن النقد العقلاني الذي يحاول أن يحترم هيكلية السلطة ورموزها كي يترك لنفسه مسافة أمان للاستمرار، هو فعلياً لا يُغيّر شيئاً في طبيعة السلطة ومفاهيمها السياسية أو الدينية، بل ما يفعله ترسيخ قوة السلطة في الوعي الجمعي.

ما يثير في نفسي الشفقة على نحو خاص اتجاه بعض ممارسي الثقافة والفنون هو محاولتهم دائماً إيجاد توافقية ثقافية تحاول احترام السلطة ورموز تلك السلطة ونقدها بطريقة يتم تسميتها عقلانية، على الرغم أنّ السلطة لا تستخدم اتجاه الأفراد أي آلية نقدية عقلانية من تلك الآليات التي يستخدمها الأفراد اتجاه السلطة، بل ما تفعله السلطة ببساطة هو فرض قانون وتجريم من لا يلتزم به، إذاً لماذا يجب على الأفراد الذين يمارسون الثقافة أن يمارسوا اتجاه تلك المؤسسات النقد المهذّب والمحترم!

إن النقد العقلاني الذي يحاول أن يحترم هيكلية السلطة ورموزها كي يترك لنفسه مسافة أمان للاستمرار، هو فعلياً لا يُغيّر شيئاً في طبيعة السلطة ومفاهيمها السياسية أو الدينية، بل ما يفعله ترسيخ قوة السلطة في الوعي الجمعي، وبأنّ هذه السلطة لديها قدرة عجيبة لاكتشاف الخفاء ومعرفة الأمور التي لا يمكن لأحد معرفتها سوى الله، إنه بالأسلوب المحترم والعقلاني يقدّم السلطة كند للأفراد، بالرغم أن السلطات تتعامل مع الأفراد بعين الإله المسيطر على حيوات البشر وهم عبارة عن فئران تجارب؛ إنه فعلياً باسم النقد الأخلاقي والعقلي يجعل السلطة رمزاً وحشياً لا يُقهر، لذا فعملية النقد المتعارف عليها تعمل في موقع الطابور الخامس لدى تلك السلطات، فيصبح من الواجب على ممارسي الثقافة والفن بكل أشكاله، أن يمارسوا آلية مختلفة في تحديد أخطاء السلطات، بعيداً عن العقلانية واحترام رموز السلطة.

في الأصل فكرة الرمز هي امتداد لفكرة السيطرة، فكل ما لا يمكن الحديث عنه في التابوهات هو رمز. جميع الرموز يجب أن تخضع لمحاكمة النقد والاستهزاء لدى جميع الأفراد، هناك قيمة وحيدة أن البشر يحق لهم الحياة وغير ذلك فكل شيء خاضع للمعالجة. لا وجود للمقدس الاجتماعي ولا السياسي ولا الثقافي ولا الديني.

فمن الغريب أن يظل ممارسو الثقافة يمارسون فكرة النقد الذي يحترم آخرين لا يحترمونهم أصلاً، وفي عقولهم تصورات لتغيير العالم.

إن إزالة هالة التقديس عن أي شخص والسخرية منه إن كان يمثّل رمزاً وخاصة رمزاً سياسياً، هو أول خطوات أي تغيير في العالم البشري، لذلك وصف أي رمز بأنه غبي أو تافه أحياناً، هذا لا يعني أنه يمتلك تلك الصفات بشكل فعلي، لكن يعني أنّ ضرورة تتفيه الرمز بأي وقت إن كان هناك سبب للتتفيه أو عدم وجود سبب هو أولوية ثقافية وخطوة أساسية لتغير كل هذا العالم الذي يقوم أصلاً على فكرة السلطة والفرد كصراع أزلي وليس كما يتصوره بعض متمركسي التاريخ أنه صراع طبقي بين فقراء وأغنياء.

السلطة عندما تسخر من الأفراد فهي تقضي على حيواتهم أو في أحسن الأحوال، كدول العالم الأول، تجعلهم عبارة عن كائنات ميكانيكية في حظائر التجارب.

ما معنى أن تنقد رجل دين بشكل عقلاني ومحترم، وهو يقوم بخداع ملايين الناس تحت حجة أنه يأخذ مشروعيته الفكرية من الإله، أو تنقد رجل سياسة أو ثقافة بشكل محترم وعقلاني وهو أصلاً يقوم باستغلال البشر بأبشع صورة تحت اسم الفكر والقانون، حتى وإن كان قانوناً بجزء كبير منه عادلاً؟!

السخرية من هذه الرموز هي أولوية أي بشري على وجه الأرض للتغيّر والحياة بشكل حر، ولمجرد أن تضع مقدساً منهم في حياتك، أو تحاول نقدهم بطريقة عقلانية وأخلاقية مهذّبة ومحترمة فكن على ثقة بأنك وضعت أسوأ شخوص في هذا العالم ليستغلوا كلّ حياتك وحياة أبنائك للأبد.

وهنا الحديث ليس فقط للأفراد العاديين الذين يعيشون على وجه الأرض ولا يهتمون بهذه الأفكار، بل في الدرجة الأولى أولئك الذين يمارسون الثقافة والفكر الأخلاقي في احترام السلطات.

كل من لا يمثّل أي سلطة يجب عليه دائماً أن يسخر من كل من يمثّل السلطة، وسخرية غير مهذبة، سخرية لاذعة وقاسية إلى أقصى حد، لأنّ السلطة عندما تسخر من الأفراد فهي تقضي على حيواتهم أو في أحسن الأحوال، كدول العالم الأول، تجعلهم عبارة عن كائنات ميكانيكية في حظائر التجارب.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.