السباق الانتخابي في إيران

صادق مجلس صيانة الدستور الإيراني على مرشح وستة ظلال من بين ٥٩٢ متقدم للترشح، في قرار أثار جدلاً واسعاً لدى كثير من الإيرانيين من مختلف أجنحة السلطة وتياريها الإصلاحي والأصولي وفروعهما.

الأيام السورية؛ عمار جلو

على مقربة من ضريح كورش العظيم وسط آثار بيرسيبوليس تم الاحتفال بذكرى مرور ألفين وخمسمائة عام على تأسيس الإمبراطورية الفارسية. بعدها بثماني سنوات تم دعوة الإيرانيون على عجل للمشاركة باستفتاء عام لتحديد نوع الحكومة التي يريدها الشعب. ونتيجة لهذا الاستفتاء تم الإعلان عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية بتاريخ ١نيسان/ إبريل ١٩٧٩، إلا أن مقام المرشد الأعلى للثورة الإيرانية المحشور في النظام السياسي الإيراني، بموجب ولاية الفقيه التي طوّرها “آية الله الخميني” ومنحها بُعداً سياسياً، سلبت النظام الجمهوري أغلب مزاياه حتى صار منصب رئيس الجمهورية لا يعدو عن كونه منصب سكرتاريا. مع ذلك بقيت الانتخابات الرئاسية مسرحاً للمنافسة الحادة خلال جولة السيرك الانتخابي بين المرشحين ومن خلفهم الجمهور الإيراني التواق للحرية، حيث يجد في هذه الانتخابات مساحة للتعبير عن رأيه.

صادق مجلس صيانة الدستور الإيراني على مرشح وستة ظلال من بين ٥٩٢ متقدم للترشح، في قرار أثار جدلاً واسعاً لدى كثير من الإيرانيين من مختلف أجنحة السلطة وتياريها الإصلاحي والأصولي وفروعهما. خاصة مع استبعاد “علي لاريجاني” مستشار المرشد ورئيس البرلمان سابقاً، إذ اعتبرت خطوة جريئة وغريبة نظراً للتاريخ السياسي والعائلي للمذكور، وما قد يمثله من نقطة تلاقي بين الإصلاحيين والأصوليين ويجعله الأقرب للفوز بالانتخابات.

لذا تم تفسير تصريحات المرشد “علي خامنئي” بشأن “تعرض بعض المرشحين الذين رفضت أهليتهم للظلم، على أنها خاصة بلاريجاني. إلا أن تصريح المرشد عن الظلم والإجحاف قد سبقه تصريح أيّد فيه المرشد الأعلى قرار مجلس صيانة الدستور بعد أيام من صدوره، متجاهلاً رسالة الرئيس الإيراني “حسن روحاني” التي رغب فيها على المرشد إضافة أسماء على قائمة المقبولين بموجب الصلاحيات التي يمتلكها المرشد والمعروفة بالحكم الولائي أو حكم حكومتي. فما هو السر في هذه الانتخابات حتى يتم حسمها قبل بدايتها؟

الاسم: “إبراهيم رئيسي”، المهنة: قاضي الموت، حسب تسمية الإيرانيين نتيجة قراراته ومواقفه بحق المعارضين السياسيين بما فيهم الأطفال والنساء. أو رئيس السلطة القضائية حسب التسمية الرسمية. التوصيف: مرشح المتشددين أو الثوريين بعد أن تم اعتماد هذه التسمية المأخوذة من خطاب للمرشد قبل عامين. التوقعات: مرشح متوّج بالرئاسة قبل أن يصوت الإيرانيين للانتخابات، نتيجة إقصاء منافسين حقيقيين أمثال علي لاريجاني وإسحاق جهانغيري ومحمود أحمدي نجاد ومصطفى تاج زادة. حيث أقفل مجلس صيانة الدستور كل سراديب العبور من خلاله للوصول إلى قائمة المرشحين المقبولين دون أن يعلل المجلس سبب الرفض، مكتفياً بالقول إنه وافق على من تتوافر فيه الشروط المناسبة لقيادة البلاد في هذه الظروف الصعبة، والتي يمكن اختصارها بالاقتراب من حافة الانهيار الاقتصادي داخلياً وعودة العقوبات الأمريكية والدولية تبعاً على إيران، بعد الانسحاب الأمريكي من خطة العمل الشاملة المشتركة.

وكلا المعضلتين الداخلية والخارجية لا يمتلك فيهما المرشح المتوج خبرة تذكر، كما لا يمتلك منصب الرئيس الصلاحيات اللازمة لمعالجتها، وخاصة لجهة توجيه السياسة الخارجية المنوطة بالمرشد حسب الدستور الإيراني، يضاف لذلك أن “رئيسي” محسوب على تيار الثوريين الرافضين لأي انفتاح على المحيطين الإقليمي والدولي. لذا تعزز لدى البعض أن هذه الانتخابات هي عملية تأهيل خليفة للمرشد الذي تجاوز الثمانين من عمره. وما يلقاه “رئيسي” من دعم يصب في هذا الإطار كخليفة محتمل تلاقت عليه الأجنحة المؤثرة في النظام الإيراني، ومكتمل الشروط بعكس “مجتبى خامنئي” الابن الأوسط للمرشد الحالي، الذي تنقصه الدرجة العلمية لتولي هذا المنصب، وبالرغم من عقلانية هذه التكهنات إلا أنها غير واقعية، فالطريق إلى هرم المرشد غير مقرون بعقدة الرئاسة رغم مرور المرشد الحالي بهذا المنصب قبل تعيينه عام ١٩٨٩، وقد يكون العامل الأرجح في إغلاق الطريق أمام المرشحين هو عملية تجسير الهوة لتوحيد القيادتين، الصورية و الفعلية في إيران والمتمثلة بمقام الرئاسة والوزارات ومقام المرشد وما يدور في فلكه من حرس ثوري وبرلمان وحتى مجلس خبراء القيادة. بعد أن ظهرت الخلافات بين الجانبين للعلن أثر التسريب الصوتي لوزير الخارجية “محمد جواد ظريف” في شهادته للتاريخ. وهذا الاحتمال أرجح من سابقه مع ظهور تيار يدعو للإمساك بجميع مفاصل الدولة من قبل الثوريين، مدعوماً بنشوة الانتصارات التي حققها هذا التيار والمتمثلة باختطاف القرار في أربع عواصم عربية.

إضافة لفشل التيار الاصلاحي بالانفتاح على الغرب، وتثبيت ركائز الاتفاق النووي بعد الانسحاب الأمريكي منه. يضاف إلى هذا التوجه رغبة بضبط الانتخابات في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الإيرانيون، والتي يتوقع فيها عموم الاضطرابات والاحتجاجات حال حدوث أي حادث مقرون بالعملية الانتخابية من بدايتها حتى نتيجتها، ويصعب احتواءها في ظل الظروف الحالية المختلفة عن ظروف انتخابات عام ٢٠٠٩، التي ثار فيها الإيرانيون بعد اتهام السلطة بتزوير الانتخابات. لذا فإن أول خطوات هذا الضبط للعملية الانتخابية، تتمثل في دفع الناس للإحجام عن المشاركة فيها ولا يتم الإحجام إلا بغياب المنافسة الفعلية، وهو ما نفذه مجلس صيانة الدستور رغم التصريحات المتكررة التي تحض المواطنين على المشاركة. جاء بعضها على لسان المرشد الأعلى بصيغة التحذير حين قال ” إن ممارسة التصويت تستغرق يوم واحد ولكن آثاره تمتد لسنوات ” أو في صيغة التكفير كما ورد على لسان “أحمد علم الهدى” ممثل المرشد في مدينة مشهد، ووالد زوجة إبراهيم رئيسي، بقوله:”مقاطعة الانتخابات في إيران بمثابة ترك الإسلام، والذين يقولون إننا لن نشارك في الانتخابات ليسوا مسلمين” في إشارة إلى “محمود أحمدي نجاد” الذي أعلن مقاطعته للانتخابات.

أعلن المرشد الإيراني دعمه للإجراءات القانونية لمجلس صيانة الدستور بشأن أهلية المرشحين للانتخابات الرئاسية، أعقبه في تصريح جديد عن حالة الظلم والإجحاف الذي تعرض له بعض المرشحين، بناءً على دعاوى كاذبة ووجوب تعويض المتضررين. في تصريح فهم منه إعادة النظر ببعض المتقدمين إلا أن “مهدي فضائلي” عضو مكتب حفظ ونشر آثار خامنئي صرح “أن قرار مجلس صيانة الدستور لن يتغير” وأضاف “أن تصريح خامنئي ليس له أي تأثير على النتيجة التي أعلنها هذا المجلس” وهو المرجح عندي بناءً على امتناع المرشد عن إجازة خوض مرشحين لسباق الرئاسة، بعد رفضهم من قبل مجلس صيانة الدستور كما فعل قبل في انتخابات عام ٢٠٠٥.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.