السؤال المتبقّي

بقلم : د. سماح هدايا

اهترأت المقولات التي يردّدها المفكرون السياسيون بعد أن تعداها الزمن وتجاوزتها متغيراته. فلا نظرية ملائمة للمستجدات يحملها هؤلاء للرد على التّحديات، تجعلهم سباقين فاعلين لا منفعلين غوغائيين…. لا بد من رؤية شاملة موضوعيّة علميّة فكرية متخلصة من إشكاليات الانتماءات الهدامة والفاسدة بأشكالها الشخصية والاجتماعية والسياسيّة تقدر على العمل والمواجهة بإيجابية.
التحايل والابتعاد عن مطالب الواقع لا ينفع في تقديم حلول جذريّة، ولا ينجح على المدى البعيد في التخلص من المشاكل والهرب من ويلاتها، بل يزيد في الكوارث الاجتماعية والسياسية؛ فتأتي اللحظة التي لا مفر فيها من المواجهة وبكلفة أشد. محاولة الالتفاف على الشعوب الثائرة قد تطيل المعركة لكنها لا تلغيها. أنظمة الدول الكبرى تآمرت على الشعب السوري الثائر ضد نظام الأسد، لكنها لم تستطع حسم تغيير الواقع لصالحها؛ فلا الثورت انخمدت ولا المعركة هدأت . صحيح أن المسارات تشعبت واختفت عن الطريق الظاهر، لكن هدفها واحد لايمكن حرفه؛ فظهور الدواعش وتصاعد العنف واشتداد التطرف بحيث صارت الكتيبة الواحدة كتائب متكاثرة، لم يعد أمرا سهلا بالإمكان السيطرة عليه، وأصبح يهدد بالامتداد والاتساع ليشمل منطقة واسعة ومجتمعات أخرى.
ستضطر الأنظمة الدولية للتدخل بشكل آخر لحماية مصالحها التي عجزت عن حل مشاكلها نتيجة تمسكها بالتفكير القديم ـ وبالتالي ستضطر لدعم ثورة الشعوب غصبا عنها؛ لأن الوضع التاريخي أقوى منها ومن إراداتها . التحوّل إلى العنف لا يمكن قيادته بسلام. يتفجر في كل المناطق الهشّة وتتسع الهاوية. النتائج السلبية للعنف قد تطال مصالح الدول الكبرى. وهنا ستحاول اللجوء إلى الحلول الترقيعية، لكنْ، حتى الحلول الترقيعية يمكن الاستفادة منها في تطوير مسار الثورة. الثورة تحتاج لمراحل وتطورات فكرية واجتماعية وسياسية. التنمية تتوقف بسب ظروف الحرب لتتحرك باتجاه الحرب. والمعارك تنتهي بغالب أو مغلوب. أما حلول السلام؛ فتأتي بعد وجود غالب أو مغلوب. الحروب الآن شديدة وهي حروب ليست فقط عسكرية بل مدنية وإنسانية تأخذ صبغة حروب مذهبية وعرقية ودينية، ومحاولات احتواء الأزمات التي خلقتها حروب الثورات العربية بالمرواغة والتلاعب عبر الحلول السياسية وغيرها من تزييف الوعي، أثبت فشله وسيثبت فشله الذريع. والأمثلة كثيرة ولعل أوضحها التجربة اليمينة فقد أراد دول الجوار وأصحاب النفوذ السياسي الحفاظ على الواقع كما هو والقفز عن الاستحقاق النضالي والمقاومة المسلحة فجاءت النتيجة أشد عنفا. واضطرت في النهاية للوقوف مع الشعب مرغمة. الدعم للثورات يأتي غصبا عن الواقع بما يفرضه تأزّم الواقع نفسه ونمو الأفكار والأحداث. التملّص من المواجهة بالدسائس والمكائد والمؤامرات لن يجدي نفعا؛ فالأعداء يحاربون بأسلحة المشاكل القديمة التي فرضوها وأوجدوها؛ لكنهم سيضطرون تحت تفجّر المتناقضات الكثثرة والفوضى لمشاريع التقسيم والتفكيك للقيام أخيرا بدعم الشعب الذي تقوده جموع الأغلبية والانصياع القسري للأقوياء ولمطالبهم التحررية المحقة.
دورة الحرب تواكبت مع أزمة دين اقتصادية حكومية ومع واقع التغيير والمتغيرات السياسية الكبرى المتنامية. العدو الأساسي للأنظمة هو الشعوب المتحررة الرافضة للذل والاستغلال. ولذلك يقف أصحاب النفوذ والقوة والثروة ضدها. أمريكا تدرك أنها ضيعت حلفاءها لذلك تدمر المنطقة بأيدي الأنظمة الطاغية والتنظيمات الإرهابية المتطرفة. وبالتالي هم يريدون محاربة أي شيء وطني ثوري حر محق بحجة الإرهاب؛ فيحاربون السلميين ويحاربون العسكريين، يحاربون داعش التي صنعوها وراحت تتمرد عليهم، ويحاربون جبهة النصرة امتداد القاعدة، وغيرها، ويحاربون الإسلام المعتدل ويكسرون اي شكل حضاري للإيمان الإسلامي، وذلك لكي لا يتواءم الحراك الثوري بحاضن إسلامي يحمل قوة عقائدية تجعله قابلا للنمو والتطور والتجذر في مشروع سياسي حضاري .. ويستخدمون إيران مرحليا في خط الحرب لزيادة المشاكل والتدمير والتفكيك؛ لكن التخطيط شيء والتنفيذ شي آخر؛ فقد خرج الفكر الداعشي والسلفي المدعوم من أنظمة الثورة المضادة من الخطة المرسوم له وبدأ يحاربهم.
الفكر المتطرف هو جريمة؛ لأنه يحتكر المعرفة والحقيقة والحق. داعش شكل هلامي يتطوّع بحسب المنطقة والظرف يعبر المال والسياسة والدين. وليس بسؤال بلا جواب: من الذي دعم داعش منذ البداية؟ أمريكا وحلفاؤها دعموا داعش بحسب اعتراف السياسيين الامريكيين…وخرجت الداعشية عن سيطرتهم المطلقة. داعش التي تحارب الشعب السوري تعمل ضد ثورة الشعب السوري وضد المشروع التركي التوسعي بالاتفاق مع إسرائيل وأمريكا. داعش هي دواعش.. وكانت جزءا من خطة أمريكا لمحاربة الثورات ومحاولة احتواء الواقع العصي بالتخريب.. لذلك يخربون البلاد ويخربون الثورات باختراقها بالدواعش. وبالطبع يساعدهم في ذلك الأمراض التي انتشرت في الشعب السوري المتمثّلة في التشرذم والتفكك والعصبوية والفساد. يحاربون الثورات، ولو استطاعوا دفنها لدفنوها مع شعبها، لكنهم لم يستطيعوا لذلك يوسعون في عمليات العنف والاختراق والشرذمة. لأن إرادة التغيير تاريخية ولها رجالها على الأرض.
مع ان كل شيء في المنطقة يتحضر للتغيير. فليس لدى السياسيين في المشهد السياسي مرجعية أو قيادة لها قبول شعبي . والحرب تنتقل فوق دماء الأبرياء. بالطبع لا يمكن أن تحل المشاكل الحاضرة بأفكار قديمة راسخة. لأن المشاكل الحاضرة ناجمة عن الأفكار السابقة. الثورة جاءت بمقتضى التغيير التاريخي وفق أدوار زمانية لكن الواقع البشري والحراك الفكري السياسي لم يكتمل بعد، ومع ذلك تقوم الثورة عبر الحرب بتحضير الناس في ظروف شرسة حادة. خصوصا أن الاستقلال لم يتحقق في بلادنا. والحرب الآن في جوهرها حرب تحررية في أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية. تتصل فيها موضوعات الوجود كلها.
هي أزمة كبيرة وصراعات مخاض للحياة، مايحصل في عمق الثورات، وتثير أسئلة متعّلق بالبناء الفكري للمجتمع وبعجزه الظاهر عن قيادة الثورات ومواكبة استحقاقها وسط أميّة سياسية وديمقراطية. ويشير بقوّة إلى نقطة في غاية الخطورة؛ وهي افتقار القيادة الفكرية والسياسية والثقافية إلى نظرية أصيلة عصريّة واقعيّة تلائم التغييرات الكبيرة التي تحدث وتطرح حلولا ومقترحات لاحتواء المستجدات وتلبية المطالب المختلفة في جميع الأصعدة والمستويات .
والسؤال المتبقي بما أن الثورات أقوى من القهر والطغيان، مولودة من رحم التاريخ؛ فماذا يمكن فعله لتسهيل انتصارها؟
طرائق التفكير القديمة من التحليل والتفكير والتقييم أصبحت معوّقة، وبشدّة، لعملية التقدم والاستقرار والبناء والنهضة بمشروع الحرية والثورة لبناء الدولة.
ما يحدث من تقلّبات سريعة وصراعات حادة ومتناقضات صارخة، يؤكّد بإلحاح ضرورة تكوين فكر جديد ، وحتميّة تغيير الأفكار وتشكيل منظومة تفكير سياسي حديث. لكي تصل بنا الثورات إلى نتائجها…
د. سماح هداياالسؤال المتبقّي
اهترأت المقولات التي يردّدها المفكرون السياسيون بعد أن تعداها الزمن وتجاوزتها متغيراته. فلا نظرية ملائمة للمستجدات يحملها هؤلاء للرد على التّحديات، تجعلهم سباقين فاعلين لا منفعلين غوغائيين…. لا بد من رؤية شاملة موضوعيّة علميّة فكرية متخلصة من إشكاليات الانتماءات الهدامة والفاسدة بأشكالها الشخصية والاجتماعية والسياسيّة تقدر على العمل والمواجهة بإيجابية.
التحايل والابتعاد عن مطالب الواقع لا ينفع في تقديم حلول جذريّة، ولا ينجح على المدى البعيد في التخلص من المشاكل والهرب من ويلاتها، بل يزيد في الكوارث الاجتماعية والسياسية؛ فتأتي اللحظة التي لا مفر فيها من المواجهة وبكلفة أشد. محاولة الالتفاف على الشعوب الثائرة قد تطيل المعركة لكنها لا تلغيها. أنظمة الدول الكبرى تآمرت على الشعب السوري الثائر ضد نظام الأسد، لكنها لم تستطع حسم تغيير الواقع لصالحها؛ فلا الثورت انخمدت ولا المعركة هدأت . صحيح أن المسارات تشعبت واختفت عن الطريق الظاهر، لكن هدفها واحد لايمكن حرفه؛ فظهور الدواعش وتصاعد العنف واشتداد التطرف بحيث صارت الكتيبة الواحدة كتائب متكاثرة، لم يعد أمرا سهلا بالإمكان السيطرة عليه، وأصبح يهدد بالامتداد والاتساع ليشمل منطقة واسعة ومجتمعات أخرى.
ستضطر الأنظمة الدولية للتدخل بشكل آخر لحماية مصالحها التي عجزت عن حل مشاكلها نتيجة تمسكها بالتفكير القديم ـ وبالتالي ستضطر لدعم ثورة الشعوب غصبا عنها؛ لأن الوضع التاريخي أقوى منها ومن إراداتها . التحوّل إلى العنف لا يمكن قيادته بسلام. يتفجر في كل المناطق الهشّة وتتسع الهاوية. النتائج السلبية للعنف قد تطال مصالح الدول الكبرى. وهنا ستحاول اللجوء إلى الحلول الترقيعية، لكنْ، حتى الحلول الترقيعية يمكن الاستفادة منها في تطوير مسار الثورة. الثورة تحتاج لمراحل وتطورات فكرية واجتماعية وسياسية. التنمية تتوقف بسب ظروف الحرب لتتحرك باتجاه الحرب. والمعارك تنتهي بغالب أو مغلوب. أما حلول السلام؛ فتأتي بعد وجود غالب أو مغلوب. الحروب الآن شديدة وهي حروب ليست فقط عسكرية بل مدنية وإنسانية تأخذ صبغة حروب مذهبية وعرقية ودينية، ومحاولات احتواء الأزمات التي خلقتها حروب الثورات العربية بالمرواغة والتلاعب عبر الحلول السياسية وغيرها من تزييف الوعي، أثبت فشله وسيثبت فشله الذريع. والأمثلة كثيرة ولعل أوضحها التجربة اليمينة فقد أراد دول الجوار وأصحاب النفوذ السياسي الحفاظ على الواقع كما هو والقفز عن الاستحقاق النضالي والمقاومة المسلحة فجاءت النتيجة أشد عنفا. واضطرت في النهاية للوقوف مع الشعب مرغمة. الدعم للثورات يأتي غصبا عن الواقع بما يفرضه تأزّم الواقع نفسه ونمو الأفكار والأحداث. التملّص من المواجهة بالدسائس والمكائد والمؤامرات لن يجدي نفعا؛ فالأعداء يحاربون بأسلحة المشاكل القديمة التي فرضوها وأوجدوها؛ لكنهم سيضطرون تحت تفجّر المتناقضات الكثثرة والفوضى لمشاريع التقسيم والتفكيك للقيام أخيرا بدعم الشعب الذي تقوده جموع الأغلبية والانصياع القسري للأقوياء ولمطالبهم التحررية المحقة.
دورة الحرب تواكبت مع أزمة دين اقتصادية حكومية ومع واقع التغيير والمتغيرات السياسية الكبرى المتنامية. العدو الأساسي للأنظمة هو الشعوب المتحررة الرافضة للذل والاستغلال. ولذلك يقف أصحاب النفوذ والقوة والثروة ضدها. أمريكا تدرك أنها ضيعت حلفاءها لذلك تدمر المنطقة بأيدي الأنظمة الطاغية والتنظيمات الإرهابية المتطرفة. وبالتالي هم يريدون محاربة أي شيء وطني ثوري حر محق بحجة الإرهاب؛ فيحاربون السلميين ويحاربون العسكريين، يحاربون داعش التي صنعوها وراحت تتمرد عليهم، ويحاربون جبهة النصرة امتداد القاعدة، وغيرها، ويحاربون الإسلام المعتدل ويكسرون اي شكل حضاري للإيمان الإسلامي، وذلك لكي لا يتواءم الحراك الثوري بحاضن إسلامي يحمل قوة عقائدية تجعله قابلا للنمو والتطور والتجذر في مشروع سياسي حضاري .. ويستخدمون إيران مرحليا في خط الحرب لزيادة المشاكل والتدمير والتفكيك؛ لكن التخطيط شيء والتنفيذ شي آخر؛ فقد خرج الفكر الداعشي والسلفي المدعوم من أنظمة الثورة المضادة من الخطة المرسوم له وبدأ يحاربهم.
الفكر المتطرف هو جريمة؛ لأنه يحتكر المعرفة والحقيقة والحق. داعش شكل هلامي يتطوّع بحسب المنطقة والظرف يعبر المال والسياسة والدين. وليس بسؤال بلا جواب: من الذي دعم داعش منذ البداية؟ أمريكا وحلفاؤها دعموا داعش بحسب اعتراف السياسيين الامريكيين…وخرجت الداعشية عن سيطرتهم المطلقة. داعش التي تحارب الشعب السوري تعمل ضد ثورة الشعب السوري وضد المشروع التركي التوسعي بالاتفاق مع إسرائيل وأمريكا. داعش هي دواعش.. وكانت جزءا من خطة أمريكا لمحاربة الثورات ومحاولة احتواء الواقع العصي بالتخريب.. لذلك يخربون البلاد ويخربون الثورات باختراقها بالدواعش. وبالطبع يساعدهم في ذلك الأمراض التي انتشرت في الشعب السوري المتمثّلة في التشرذم والتفكك والعصبوية والفساد. يحاربون الثورات، ولو استطاعوا دفنها لدفنوها مع شعبها، لكنهم لم يستطيعوا لذلك يوسعون في عمليات العنف والاختراق والشرذمة. لأن إرادة التغيير تاريخية ولها رجالها على الأرض.
مع ان كل شيء في المنطقة يتحضر للتغيير. فليس لدى السياسيين في المشهد السياسي مرجعية أو قيادة لها قبول شعبي . والحرب تنتقل فوق دماء الأبرياء. بالطبع لا يمكن أن تحل المشاكل الحاضرة بأفكار قديمة راسخة. لأن المشاكل الحاضرة ناجمة عن الأفكار السابقة. الثورة جاءت بمقتضى التغيير التاريخي وفق أدوار زمانية لكن الواقع البشري والحراك الفكري السياسي لم يكتمل بعد، ومع ذلك تقوم الثورة عبر الحرب بتحضير الناس في ظروف شرسة حادة. خصوصا أن الاستقلال لم يتحقق في بلادنا. والحرب الآن في جوهرها حرب تحررية في أبعادها السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية. تتصل فيها موضوعات الوجود كلها.
هي أزمة كبيرة وصراعات مخاض للحياة، مايحصل في عمق الثورات، وتثير أسئلة متعّلق بالبناء الفكري للمجتمع وبعجزه الظاهر عن قيادة الثورات ومواكبة استحقاقها وسط أميّة سياسية وديمقراطية. ويشير بقوّة إلى نقطة في غاية الخطورة؛ وهي افتقار القيادة الفكرية والسياسية والثقافية إلى نظرية أصيلة عصريّة واقعيّة تلائم التغييرات الكبيرة التي تحدث وتطرح حلولا ومقترحات لاحتواء المستجدات وتلبية المطالب المختلفة في جميع الأصعدة والمستويات .
والسؤال المتبقي بما أن الثورات أقوى من القهر والطغيان، مولودة من رحم التاريخ؛ فماذا يمكن فعله لتسهيل انتصارها؟
طرائق التفكير القديمة من التحليل والتفكير والتقييم أصبحت معوّقة، وبشدّة، لعملية التقدم والاستقرار والبناء والنهضة بمشروع الحرية والثورة لبناء الدولة.
ما يحدث من تقلّبات سريعة وصراعات حادة ومتناقضات صارخة، يؤكّد بإلحاح ضرورة تكوين فكر جديد ، وحتميّة تغيير الأفكار وتشكيل منظومة تفكير سياسي حديث. لكي تصل بنا الثورات إلى نتائجها…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.