الزير سالم.. سيرة الحرب التي استمرت 40 عاماً

الأيام السورية؛ سلام محمد

سيرة الزير سالم هي أحداث في حلقات متساوية لا تتقدّم واحدتها على الأخرى إلا بكونها جاءت بعدها. أي أنّ الزير سالم لم يتقدّم إلى الأمام على نحو ما يحدث لأبطال الروايات إذ يجدّون في صنع مصائرهم أو يستسلمون إلى ما تسوقهم إليه مصائرهم. ذلك إلى حدّ أنّ قصة الزير نسيته في فصولها الأخيرة، إذ انشغلت عنه بذكر ما جرى لأنسال أخيه كليب وبطولاتهم. نسيته القصّة، مع أنها أبقته حيا ليعايش أربعة أجيال أو خمسة تولّوا الحكم والبطولات من بعده، ما يجعل عمره ممتدّا بما يشبه ما عاشه رستم بطل الشاهنامة الفارسية الذي عصي على الزمن فلم يوهنه جريانه.

وتفرض السيرة على قارئها أن يتابع حوادثها مرّتين، مرّة بنصّها النثري ومرّة بنصّها الشعري. كلّ ما يجري سرده يتلقّفه الشعر من فوره، ليعيد سرده مرّة ثانية. في مرحلة ما من القراءة، وهي مرحلة مبكّرة على الأرجح، ندرك أّن ما يؤدّيه الشعر هنا لن يزيد شيئا كثيرا، لا على الوقائع الجارية ولا في رفعها إلى المجال الشعري. ولنضف إلى ذلك أنّ القصائد الكثيرة، إلى حدّ أنّ إحداها تتبع الأخرى بعد كلّ صفحة من الصفحات، لم تُبذل عناية كافية في كتابتها. ثم أنّ “شاعرها” المتعجّل قليل المعرفة بالشعر، بل بلغة الشعر، بل حتى باللغة العربية طالما أنّه يخلط بين الفصيح والعامي ظانّا أنّ كلّ ذلك هو من الفصحى.

هما قراءتان إذن، متلازمتان إذ لا تتأخّر إحداهما عن الأخرى. هنا يمكن تخيّل أنّ القصة، أو الحكاية، أو السيرة كانت تُقرأ لمستمعين غير قادرين هم أنفسهم على القراءة. كان ذلك يتطلّب أن يتعدّى القارئ (الحكواتي) القراءة إلى التأدية، هذه التي يصعب على النثر أن يبلغ ذراها، مهما تجلّت وقائع بطولات الزير سالم. في لحظة ما يجب أن يقف الحكواتي الشاعر على قدميه، مأخوذا بالحماسة، ليعيد رواية ما كان رواه الحكواتي الناثر، موزونا مقفّى هذه المرّة.

الزير سالم

الزير سالم هو عدي بن ربيعة بن الحارث بن مرة بن هبيرة التغلبي الوائلي من تغلب، المعروف باسم المهلهل واسم الزير سالم، وهو شاعر من شعراء العرب في الجاهلية، كان يُعرف أيضًا بأبي ليلى المهلهل ، كان في بدايات حياته عاكفًا على اللهو واللعب والنساء، حتَّى سُمِّي زير النساء، ويُعرف المهلهل أو الزير سالم بحرب البسوس الطويلة التي خاضها ضد البكريين من بني وائل بعد مقتل أخيه كليب بن ربيعة على يد جسَّاس بن مرة، وتشير الروايات إنَّ الزير سالم توفِّي عام 94 قبل الهجرة أي ما يوافق عام 531 ميلادية، وعاش حياته بين كرِّ وفرِّ، أربعين عامًا من القتال والتَّرقُّب بين الطرفين، حتَّى قتل الزير بجير بن الحارث بن عباد، فثار الحارث بن عباد وهو من فرسان العرب الأشداء، فالتفَّ حوله من حارب الزير من بني بكر، وهجموا على تغلب وأسروا الزير سالم، الذي خرج من الأسر وهرب من البلاد، حتَّى قبيلة تغلب سافرت إلى الجزيرة الفراتية وأقامت فيها، وقد قُتل الزير سالم فيما بعد على يد عبدين من عبيده كانا قد طمعا بماله، وكان هذا عام 531 ميلادية في غالب الظنِّ.

ألقاب الزير سالم كان الزير سالم من أشداء العرب وفرسانهم وأبطالهم وشعرائهم الفحول، كلُّ هذه الصفات جعلته شخصية تاريخية ذائعة الصيت في تاريخ العرب، وقد أصبح مضرب مثل في القوة والرجولة والشاعرية، وقد أطلق على الزير سالم عدد من الألقاب في حياته، عُرف بها في الروايات التاريخية التي ذكرت قصة حياته، ومن هذه الألقاب: الزير سالم: قيل في بعض الروايات إنَّ اسمه سالم، ولكنَّ الراجح أنَّه عدي بن ربيعة، أمَّا كلمة الزير فأطلقت عليه لأنَّ كان شديد التشبيب بالنساء، فسُمِّي بزير النساء، أي جليس النساء ونديمهنَّ. أبو ليلى: وهو ما كان يكنَّى به بين الناس، فلم يكن للمهلهل أولاد ذكور فكنِّي بأكبر بناته وهي ليلى، وليلى بنت المهلهل هي أم الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم. المهلهل: وهو لقب من ألقاب عدي بن ربيعة، وقيل إنَّه لُقِّب بهذا اللقب لأنَّه ثيابه كانت مهلهلةً، وقيلَ سُمّي بالمهلهل لأنَّه هلهل الشعر أي أرقَّه، وقد جاء اسمه هذا في قول اليمامة بنت كليب بن ربيعة:

من مبلغُ الحيينِ أَنّ مُهلهلا أَضحى

قتيــــــــــــــــــــــــــلًا في الفَلاةِ مُجنـــــــــــــــــــــــــــــــدلا

بعض الروايات تقول إنَّ المهلهل هو أوَّل من جرى الشعر على فمه في تاريخ العرب، وقيل هو أول من كتب القصائد الشعرية الطويلة، وفيما يأتي بعض قصائد الزير سالم: يقول الزير سالم في قصيدة من قصائده:

إنَّ في الصِّدرِ من كُلَيْبٍ شجونًا

هَاجِسَاتٍ نَكَأْنَ مِنْهُ الْجِرَاحَــــــــــا

أَنْـــــــــكَرَتْنِي حَلِيلَـــــــــــــــــــــــــــتِي إذْ رَأَتْنــِي

كاسفَ اللونِ لاَ أطيقُ المزاحـــــــــا

بئسَ منْ عاشَ في الحياةِ شقيًّـا

كاسفَ اللونِ هائمًـــــا ملتـــــاحـــــــــا

والزير سالم على كلّ حال. منذ صولته الأولى التي ثأر فيها لمقتل أخيه كليب، وأطاح فيها بما يقرب من عشرة آلاف فارس، لم يتوقف عن تحقيق النصر ذاته، من دون تغيير يذكر، في الجولات الكثيرة التي تلت. أقصد أن لا جديد في المعارك. ما يحدث هو أن يهيّىء له خصومه الأسباب التي تدعوه إلى نزالهم، مرّة بعد مرّة بعد مرّة. المعركة نفسها تُعاد ونتيجتها هي نفسها. أما في الأوقات الفاصلة بين معركة ومعركة، بين حرب وحرب، فيكون الزير سالم جالسا يأكل ويشرب.. ولا شيء آخر.

ناقة البسوس التي قادت للحرب (بزنس كلاس )

مقتله

الزير سالم عاش بطولاته على دفعات، معركة معركة. وهو نسي نفسه في خضمّ ذلك. في فصول حياته الأخيرة، وهي فصول طويلة زادت على عمرين عاديين، لم تُذكر عنه مأثرة. وحين طعن في السنّ مات بما لا يليق ببطل مثله كان يجندل الآلاف بسيفه في كلّ موقعة.

قتله العبدان اللذان كُلّفا بمرافقتهن لا لشيء إلى ليعفيا نفسيهما من مهمّة مرافقته. غير أنّه تمكّن من تدبّر مقتلهما إذ زوّدهما ببيت ناقص من الشعر رجاهما أن يبلغاه إلى أهله، وهما نقلاه إلى حيث يجب فكان فيه فضحا لما ارتكباه. عبدان غبيّان، هكذا بما لا يليق بقتلة الزير سالم أبو ليلى المهلهل الكبير.

كليب وجساس

جساس كان من خيرة شباب بكر، وأخته جليلة زوجة زعيم بني تغلب، والعجوز ‘التميمية’ طوته تحت جناحها، فعارض والده وقومه وأجارها، وأعلن حمايتها وممتلكاتها طوال مدة إقامتها، والبسوس استغلت حمايته وأمرت عبيدها بإطلاق الجمال في كروم كليب بن ربيعة، وبالصدفة يمر كليب ببساتينه فيجدها مدمرة، فيثور ويهجم على عبيد البسوس فيهربون فزعا منه، وفي عز ثورته يلمح كليب ناقه عجفاء جرباء فيطيح برأسها، ويحمل أحد العبيد خبرها إلى سيدته البسوس، فحلت شعرها وأخذت في اللطم والنواح والتهديد، وحاول مرة بن ذهل ومضيفها جساس تهدئتها وتعويضها عن ناقتها العجفاء بثلاثة آلاف ناقة حتى لا يتصادموا بأبناء عمومتهم عليها، ولكنها رفضت وأصرت على الانتقام وقالت إن ناقتها نادرة الأوصاف، حادة النظر، عينها ترى بالليل أكثر مما ترى في النهار، وشعرها ناعم وغال، تصنع منه ثياب الملوك، وبعرها من الجواهر والأحجار الكريمة، ولن تقبل عوضا عنها سوى رأس كليب وعيرت مرة بن ذهل وابنه جساسا بأنها ضيفة عليهم وإنها في حمايتهم وإن كليبا يستضعفهم بالاعتداء على ناقتها، فثار جساس، وتوجه إلى كليب ووقف خارج قصره يهدد ويتوعد، وتضامنت معه اخته جليلة زوجة كليب، ورفضت العيش معه ومعاشرته إلا بعد أن يرضي أخوها جساس، ويضطر كليب إلى التوجه إلى جساس والاعتذار له، ولكن بني مرة استقبلوه أسوأ استقبال وسخروا منه وعرضوا به، فتوجه إلى أخيه الزير سالم ليستعين به، وكان في ذلك الوقت غارقا في الخمر منعزلا عن الناس، وحينما أفاق عنف كليبا على ضعفه أمام زوجته ورضوخه لمكرها، ودارت بينهما مشادة، وخرج كليب غاضبا ولا يعرف أين يذهب، فأخوه يرفض مساعدته، وزوجته تتآمر مع بني مرة الذين يتربصون به، غير أن مرة بن ذهل سيد بكر أنب قومه على موقفهم المخزي من كليب، وذكرهم بأمجاد كليب في تحريرهم من الملك تبع اليماني، فتوجه كليب إليه وحينما وصل إلى مجلسه رحب به سادة بني مرة وبني بكر، وشرح لهم ما حاق بكرومه وبساتينه من دمار بسبب البسوس وجمالها، واصطحب جساسا مجيرها إلى البساتين ليتأكد بنفسه.

رسم تخييلي لكليب بن ربيعة (يوتيوب)

مقتل كليب وحرب البسوس

وطوال تلك الفترة كان جاسوس البسوس يتنصت على كل ما يدور، ويخبرها أولا بأول، وتحرك كليب وجساس نحو الكروم، وتحقق جساس من صدق كليب وتصافيا وتعانقا وأقسم جساس على طرد البسوس من أرضه، وقاما يتسابقان ويتطاعنان بفروع الشجر، ووجه كليب طعنة قوية إلى جساس ألقته أرضا، وانتهز الجاسوس الفرصة وظهر من بين فروع الشجر وأنهض جساسا، وعيره بسقوطه من طعنة كليب، وتضخم الإحساس بالإهانة لدى جساس، واندفع بلا رويه وطعن كليبا بحربه في ظهره، وفي سكرات الموت طلب من جساس شربة ماء لكن جساسا رفض أن يعطيه إياها، وزحف في دمائه نحو حجر وكتب وصيته للزير سالم بالثأر والانتقام، وانتهزت البسوس الفرصة وأرسلت عبدها وقطع رأس كليب ومثلت بها ونصبت حولها الأفراح.

مقتل كليب من الخلف فجر بركانا في قومه بني تغلب، ومما ضاعف من ثورة غضبهم خروج نسائهم العواتق من الحجال يخمشن الوجوه ويشققن الجيوب، ويذرفن الدموع صارخات بدم سيدهن.

رواة سيرة الزير سالم أجمعوا على أن مرة بن ذهل سيد بكر بن وائل ثار على ابنه لقتله كليبا وتبرأ منه ومن فعلته، وفضل إراقة دمه على قتال بني عمومتهم، غير أن قومه أحاطوا به، ونصحوه بألا يخذل ابنه، وتحت إلحاحهم وعاطفة الأبوة، بدا يستعد لحماية ابنه، وحتى يكون بمنأى عن بني تغلب عشيرة كليب أثر الرحيل إلى اليمن وآفاق بنو تغلب من حزنهم على كليب وبدؤوا يبحثون عن قائد لحرب الثأر له من بني مرة وبكر، ولم يجدوا سوى الزير سالم، فهو أحق بالرئاسة، ولكنه في ذلك الوقت كان ضائعا بين الخمر والنساء، وحينما انتبه وعاد الى قومه وجدهم يعقرون خيولهم ويكسرون رماحهم وسيوفهم حزنا على عجزهم عن الثأر لدم كليب، فنهاهم وصرخ فيهم وفوجئت تغلب بمارد ثائر يغلي كالبركان، وأقسم على الملأ انه سيقتل في كل عضو من كليب رجلا من البكريين وخرجت الألفاظ من فيه شعرا متقدا كالحمم

خذ العهد الأكيد على عـــمري
بتــــــــــــرك كل ما حوت الديـــــــــار
وهجر الغانيات وشرب كـأس
ولبسي جبـــــــــــــــــــة لا تستعــــــــــــــار
ولست بخالع درعي وسيــــــفي
إلى ان يخلع الليل النهــــــــــــــــــار
وإلا ان تبيـــــــــد ســــــــــراة بــــكر
فلا يبقى لهـــــــا أبدا أثــــــــــــــــــــار

وخاف بنو تغلب في بادئ الأمر أن تثور حرب ضارية دون أن يلتمسوا الأعذار لأبناء عمومتهم وذوي أرحامهم من بني بكر، وانطلق سادة بني تغلب إلى مرة بن ذهل وسادة بني بكر وطالبوهم بأن يسلموهم جساسا ليقتلوه في كليب وينتهى الأمر، وحسب رواة السيرة قالوا لهم يا أخواننا قد جئتم أمرا عظيما، وقتلتم شريفنا وشريفكم في ناب من الإبل وقطعتم الرحم والحرمة، ونحن نكره العجلة عليكم دون أعذار، وإننا نعرض عليكم أحد ثلاثة أمور لكم فيها مخرج من قتالنا، إما أن يدفع لنا مرة بن ذهل بابنه جساس لنقتله وإما أن يدفع بابنه همام وإما أن يدفع بنفسه، وأطرق مرة يفكر برهة وقال ‘أما جساس فغلام مائق طعن ثم ركب فرسه هاربا، فوالله ما أدري أي البلاد انطوت عليه، وأما همام فحاله كما علمتم فهو أبوعشرة، وأخو عشرة، وخال عشرة، فلا تقيدونه بجريرة غيره، ولوا أقدته كرهوا ومنعوني، وهر ولده في وجهي هرير الكلاب النائحات، وأما أنا فوالله ما هو إلا أن تجول الخيل جولة فأكون أول قتيل لكبري وضعفي، ولكني أعرض عليكم غير هذا، أعطيكم ألف ناقة سود المقل تضمنها لكم بني بكر، وإلا فهؤلاء بني فاقتلوا أيهم شئتم ‘ ورفض التغلبيون بقيادة الزير وغضبوا وانصرفوا، وأيقن الطرفان بالحرب والهلكة، وقال الزير: ما كان كليب بمتاع نأكل له ثمنا، وغضبت باقي قبائل ربيعة على قتل كليب في ناب من الإبل.

وانضمت قبيلتا النمر بن قاسط وعقيل بن قاسط إلى فرسان الزير، واندلعت حرب البسوس عام 498م وانتهت عام 538 واسمها ‘البسوس’ يعود للعجوز صاحبة الناقة التي أشعلت نارها، وهي ‘البسوس بنت التميمية ‘ أخت الملك تبع اليماني الذي قتله كليب في قصره انتقاما من اعتدائه على بني ربيعه وتشتيتهم، واستمرت أربعين عاما وتعتبر أشهر أيام العرب، وبدأت بالإطاحة برؤوس جساس وإخوته، وأهدرت فيها دماء سادة بكر وتغلب.

المقولة التي بنيت عليها سيرة الزير سالم (يوتيوب مشهد من مسلسل)
مصدر جريدة الاتحاد الظبيانية فاروق خورشيد، مجلة العربي ابريل 1992  حسن داوود، المدن
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.