الزهايمر السياسي بين النظام والمعارضة وظائف وأدوار منتهية الصلاحية

بقلم: أحمد منصور

الكارثة الحقيقية في “الحركة الوطنية” السورية ..والتي تتمظهر، بوضوح شديد، على تهتك سياسي وأخلاقي وسلوكي، سواء على مستوى “الجماعات” أو على مستوى الافراد … لا تتعلق فقط بتلك الصفات المحددة للشخوص والتمظهرات المختلفة، بل تتعلق بشكل أساسي بميراث استبدادي طويل، وبأنها تجلٍ ومظهر من مظاهر إمتداد ذاك الاستبداد، والذي لا تختلف عنه تلك التعبيرات والسلوكيات ولا حتى الأداء السياسي بأي شيء على الاطلاق.

انهما كتلة واحدة وبنية واحدة وشيء واحد تماما، من حيث العقلية والمفاهيم والأداء السياسي، وعن جديد الانهيار الأخلاقي والسلوكي
فالمسألة الوطنية ليست ذات بُعد أخلاقي شخصي وذاتوي بل هي قضية عامة تتعلق بمصير وطن.

فمن غير المجدي أن نسمع من شخوص العمل السياسي العام _ هيئة التفاوض والمنصات والشخصيات المختلفة _ ظهورات متكررة تكاد “تكون يومية” لتبرير الفشل الذي تمارس على طريقة عقلياتهم الممزوجة بالآنية والأنانية، والمصاحبة بضعف الرؤى وغياب أي محاولة جادة لإيجاد مشروع وطني، تلتف عليه عموم الحركة الوطنية، فتلك المبررات التي يطلقها البعض، والتي لا تخلو من المناشدة حول البحث أو إيجاد فرصة جديدة لهم، وكأنهم يبحثون عن دورٍ ومكانة هم أساساً لم يكونوا كفؤاً لها، مطلقين مع ذلك عيارات أثقل منهم أحياناً حول إمكانية ممارستهم للمشاغبة في حال لم تتح لهم الفرصة لذلك، _”يا لعيبة يا خريبة”، متناسين أن جودوهم أساساً لم يكن مبني على آلية تمثيل حقيقية، وأنهم خسروا حتى ذاك الرصيد الذي أمنته لهم المنابر والأكتاف.

يدرك جميعنا اليوم وحتى هؤلاء أنفسهم أن مكانهم في المتحف، وأن أدوارهم قد أنتهت، ليس بحكم الوظيفة فقط، وإنما أيضاً بحكم فوات زمن عقلياتهم وأيديولوجياتهم، دون أي ميل لتعمد الإهانة، بحكم تقدمهم في السن وتجاوزهم فترة السماح و الصلاحية. وأحد أكبر المنزلقات هنا تكمن في تمترسهم، بل في سطوتهم واستبدادهم واستغلالهم البريق و”مظلومية السجن والإعتقال”، والتي أدت إلى إحتكارهم العمل السياسي، واستئثارهم بالمنابر والتعبيرات والتمثيلات السياسية والمدنية المختلفة، وبالتالي كل مصادر تمويلها ومواردها، وتجاهلهم الصريح بل خوفهم من الشباب وحركته الناهضة، وحماسه المتقد، وفيما ندر قلما تجد شاب أو شابين تحت سن الأربعين أو الثلاثين يشغلوا مكانهم حيثُ تتمدد أرجل واذرع هذه الإخطبوطات والديناصورات.

والأكثر سوءً اليوم أن يعود هؤلاء وبعض رموزهم بالقول حيال ما يحصل وما آلت أليه الأوضاع والتطورات وموازين واستبدالهم بقوى الأمر الواقع أن يقولوا أنه لم يبقى غير المبادرة _ أي بهم أنفسهم_ لبناء أوضاع ذاتية تعطينا “حصتنا المستحقة من وطننا” على اعتبار أنهم يُعبرون عن تضحيات الشعب وبأنهم يمثلون تلك التضحيات !!!!!

يكاد ما يقولونه يعني بأنه لا حل ولا تسوية يحيد شخوصهم وهيئاتهم ومنصاتهم، ولا يجعلها شريكاً أساسياً في المساومة وتقاسم الحصص، كل خوفهم أن لا يكون لهم _السياسيين الفاشلين، المتهتكين_ أي دور قادم، ما الذي يتغير أن رحل الأسد وأصبح هؤلاء جزءً من النظام القادم ؟؟؟!!!… أن هؤلاء الذين شغلوا على مدى ست سنوات مناصب في أجنحة فنادق الخمس نجوم، من إسطنبول إلى أوروباـ وكانت تلك الفصائل التي يتهجمون عليها اليوم رصيد خطاباتهم، مع أن أكثرهم حضوراً لم يكن له أي نفوذ جدي على أقل فصيل أو مقاتل ضمن ذلك الفصيل على امتداد مساحة سوريا، فلماذا التخوف منهم وعلى مستقبلهم ؟؟؟!!!

أن ما حصلوا عليه خلال السنوات الماضية من إمكانات ذاتية مادية وغير مادية، وحتى سياسية تكاد تكون بمواصفات تلك الفنادق التي شغلوا غرفها، ومع ذلك وبألسنتهم فأن أفضل ما فعلوه هو عملٌ أهدر المؤسسات وفرصة بنائها وتعزيز دورها وأدائها وتمثيلها. أفضل أداء سياسي لهم أتصف بصفة ” تلبيط البغال بالسياسة ” من تحت الطاولات وفي الغرف الخلفية، ولم يستطيعوا إنجاز وأن لقاء تشاوري وطني جامع وليس مؤتمر.

باعتقادي آن الأوان لأن يتدرج الفعل الوطني على المستوى الذاتي، ومن نقطة تأسيس أساسية، تبتدئ بوقفة نقدية ومراجعة حثيثة وجدية للتجربة بأكملها، ولا تنتهي عند تقديم الاستقالات الفردية والجماعية لهؤلاء تحديداً، ليس فقط من المنابر والمنتديات والتمثيلات والمنصات، بل ومن كل ظهوراتهم، فليذهبوا مع خبراتهم إلى أقرب مصح، ليكملوا بقية أعمارهم مع قليلٍ من الكرامة، ولتفتح الأبواب على مصاريعها، أمام محاولات الشباب بدأً من سن الخامسة والعشرون عاماً حتى الخمسون عاماً، وليشكلوا تعبيراتهم المختلفة، وليمارسوا دورهم الحقيقي، والذي لم يعد ممكناً تأجيله.

أن سوريا استنزفت كل الفرص، وأصبحت ممراتنا اكثر ضيقاً، وحرجاً وانزلاقاً ولم يعد لنا الوقت لغير ذلك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.