الرَّقة مدينةٌ الرِّقة بين العذوبة والعذاب

#الرقة_مدينةٌ_لا_تموت

الأيام السورية (خاص)- فرات الشامي - سوريا

ليس من عادتي أن أقدم اعتذاراً عن “لغتي” و”سطوري”، لكنني “أعتذر” باسم “الأيام” لأني ابتعدت في سطوري عن “لغة الصحافة” و”مهنية” الكاتب الصحفي، أمام “التفكير” بأننا “خذلناها” يوم ذبحت بصمت، فلم نقدم لها إلا “الحروف” شحيحةً عبر الإعلام.

ولأنني أرفض أن أفصل الإعلام عن المشاعر، كرفضي للفصل بين السياسة ومشهدٍ آتٍ من مدينتي التي عشقت، أو ربما لأننا “متطرفون” بفعل حبنا للمكان، وهذا طبع أبناء “سورية” أهمس حروفاً هنا أصرخ ومعي فريق “الأيام”… “أنقذوها”.

قد لا يعني “النحيب” أن “تنجو” من بين يدي “جلادك”، كما أنه لا يعني بالضرورة أنك ترغب بالبكاء، لكن أمام مشهدٍ حاضرٍ غائب تعجز العبارات عن توصيف حالةٍ تمازج فيها ألم “الحرب” وفوضى انعدام “الأمان” في بلدٍ انتفض على “الرّق” المفروض عليه.

ولأننا شكلنا حروفاً عن “الرّق” في زمن السياسة العاجزة والذبح الصامت تتشكل حروفٌ أخرى على ضفاف “الفرات” أمام بقايا أحجارٍ قديمة صامدة كان سكنها “الرشيد” مصطافاً، وأمضى فيها دهراً هي “الرَقةُ” بفتح الراء، وهي “الرِقةُ” بكسرها لمن عرف نسائم هواء صيفها.

ضع تشكيلات الأبجدية كما تشاء، أحذف التاء المربوطة يتكون معك “الرِّق” وهو اسمٌ يحمل في طياته ذاكرةً حضارية تعيدك إلى أيام “هارون الرشيد” حيث كان الرّق آلة موسيقية استخدمت في زمنه يوم كانت تلك المدينة “عاصمةً ثقافيةً وحضارية” زمن خلافته.

رقراقةٌ كفراتها، نقيةٌ كأهلها، أولئك الذين يحسبهم الزائر في النظرة الأولى يحملون فوق وجوههم قسوة البادية، ما يلبث أن يرتاح لانفتاح أفئدتهم ترحيباً بـ”الضيف”، فلا تكاد تشعر إلا بـ”رِّقةِ” طباعهم ويزول الإحساس بقسوتهم ويبقى كلامهم شاهداً على التصاق جذرهم بالأرض.

أمام تلك الصورة التي تم عرضها يتبدل الحال في غفلةٍ مريبة، ويدب الرعب في طرقات المدينة التي اتشحت باللون الأسود والأحمر، إنه “الموت القادم من المجهول”، يخيم فوقها مستجلباً “شياطين الغرب” لضربها بسياط النار، بلا رحمةٍ أو شفقة، وقتلت حمم طائراتهم “شيماء” وأطفالها السبعة ولم يكونوا أول الشهداء ولا آخرهم.

لفظت هذه المدينة “عصابات الأسد” منها وكانت أول المدن السورية تحرراً من نظام الإجرام في الثورة السورية، بتاريخ 4/ آذار / 2013، لتعود مجدداً تحت وصايةٍ بنكهةٍ جديدة وصبغةٍ مختلفة بعد طرد “محرريها” الثوار الأصليين.

يحيط الموت بها اليوم من كل جانب، سدّ الفرات مهددٌ بالانهيار بفعل ضربات “التحالف”، ملايين المدنيين يهددهم الموت، قرىً كاملة تنتظر مصير “الغرق”، وقبل كل هذا وبعده يهددُ التغيير انتماء المدينة وهويتها، باختصار “الرقة” ذبحت منذ سنوات، فما نفع “البكاء” على “الأطلال”، إذا كان صوت الموت يعلو فوق سمائها وفي أرضها.

من دخل تلك المدينة وأوغل سباحةً في فراتها يعرف معاني تشكيل حروف اسمها والتغني بريق أنوثتها، هكذا تقول “عجائزنا” ومنهم “جدتي” التي عشقت الكلام السياسي تقول لي: (( دحق/انظر تمثال حافظ الأسد “خوش تمثال” بكرا ياكول/يأكل شلاق “رفسة” ينسدح “يقع” ع الأرض، بس أعيش وأشوف )).

وتقول جدتي السياسية ما معناه: (( هذه المدينة لا يمكن أن تحتضن “الأسد”، إنها طبيعة المدن القريبة من ضفاف الماء، ترفض “الزبد”، وهي في ذات الوقت تعرف معنى “التسامح” لأنها وسطية المزاج معتدلة، تحب الجميع وتمنحهم “حبها” )).

وكأنها تقول “التطرف فيها لا يعيش، كما أن الظلم فيها لن يدوم”، لأنها الرَّقة مدينةٌ الرِّقة بين العذوبة والعذاب تعيش فتلفظ الأخير وتعود أدراجها للأصل. ومهما قيل أننا ابتعدنا عن “الواقع” فإن المعركة فكرية بطبيعة الحال، ومحالٌ أن يموت ويفنى شعبٌ حمل بداخله “ثقافة العطاء”، ومهما بدت اللوحة قاتمة فإننا أهلٌ لأن نعيد رسمها وتلوينها بأقلامنا سياسياً وفكرياً.

الرقة مدينة لا تموت… أعطوها صوت أقلامكم وأشعلوا شوارع العالم بالهتاف باسمها.

إذا كان العالم غفل عن “الرقة” فإننا نطلق عبر “الأيام” هاشتاغ #الرقة_مدينةٌ_لا_تموت.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.