الريف ليس ملوماً ولا بريئاً.. أين نخبة السوريين وبرجوازيتهم؟

من جديد تطفو على السطح جدلية الريف والمدينة، مقال للزميل نجم الدين النجم، يحاول مقاربة هذا الموضوع من وجهة نظره، ورأيه الشخصي، ترحّب صحيفة الأيام بنشر أي مقال يناقشه أو يرد عليه.

1٬369
الأيام السورية؛ نجم الدين النجم

ما إن نشرت الصحافية السورية ميساء آقبيق منشورها الذي تحدثت فيه عن الريف والمدينة، حتى اشتعل الفيسبوك السوري خلال ساعات بجدل حول مضمون المنشور ولهجته ومغزاه، ولئن كانت أغلب ردود الفعل على “مفردات” المنشور أخذت شكل الإدانة القاسية بالعدوى الفيسبوكية، إلا أن ردود فعل أُخرى ليست قليلة أخذت شكل التأييد والموافقة، وهذا أمر لافت للنظر إن وضعنا في عين الاعتبار أن جدلية الريف – المدينة مثيرة جداً للحساسية في مجتمع الثورة الذي يحمل في ضميره مفاهيم المساواة وعدم التفرقة، بغض النظر عن مدى تشرّب هذه الضمائر لتلك المفاهيم.

كتبت السيدة آقبيق في منشورها: “دعونا نواجه الواقع دون مواربة، إذا كانت ثورة حزب البعث خرّبت التركيبة الاجتماعية بين أبناء سوريا وأوصلت أشخاصاً غير أكفاء إلى مراكز قيادة، فقط لأنهم كما سموهم عمال وفلاحين كادحين، فإن تبعات ثورة 2011 التي كان ينقصها قائد حكيم محنك يديرها خلف الكواليس، تبعاتها فتحت المجال لأبناء بعض من القرى، لم يعيشوا أدنى معايير المدنية، كي يغتنوا أو يحتلوا مراكز مهمة في جميع مؤسسات الثورة العسكرية والمدنية” مضيفة “هؤلاء الذين ليس لديهم ما يخسروه ويستطيعون العيش في جميع الظروف ومع أي معطيات، أنهوا تماماً جميع المكونات المجتمعية السورية من المتعلمين والعارفين والكفؤين وأبناء العائلات الشبعانة، وها هو المجتمع السوري يسقط بالضربة القاضية.. وسامحونا”.

المنشور أتبعته السيدة بمنشورين أوضحت فيهما فكرتها وقدمت اعتذارها لمن تأذى من المنشور الأول، مع تأكيدها أنها لم تتراجع أو تتخلى عن شجاعتها، ونحن هنا لسنا بصدد تحليل منشور آقبيق، كما أننا لا نتفق مع إدانته ولا نسعى لتأييد ما جاء فيه، وأيضاً، لا نريد الخوض في مناقشة حملات التجييش التي رافقته، بيد أننا نريد الانطلاق منه لنتلمّس ذلك الخيط المقطوع وغير المرئي الذي من المفترض أن يربط شكل الطرح بمضمونه.

هل يمكننا حقاً التفريق بين الريف كجذر للهوية مع ترك الذهنية الريفية خارج دائرة هذه الهوية؟ وعند الحديث عن فتح الثورة المجال للبعض من أبناء القرى ليصبحوا أغنياء وأصحاب مناصب في مؤسسات الثورة العسكرية والمدينة والإعلامية.

وفي سياق حديثنا لا بد أن نعرّج على طرح مشابه وسابق للمفكر الفلسطيني – السوري أحمد نسيم برقاوي، الذي أثار هو الآخر في منشور عام 2014 حفيظة الكثيرين، وأعاد برقاوي نشر رأيه بهذه الشأن مجدداً منذ أيام بكلمات أكثر اتساعاً، أكد فيها أن “كل مدخل لدراسة الاختلاف بين الريف والمدينة ينطلق من الأحسن والأسوأ هو مدخل لا قيمة علمية له، ولا ينتج عنه إلا سوء فهم كل طرف بالآخر، ويجب ألا يتكدر خاطر أحد من تناول هذه الظاهرة”، مشيراً إلى أن “ترييف المدينة كارثة هائلة… وأنا لا أتحدث عن أصول، بل عن ذهنية”.

هل يمكننا حقاً التفريق بين الريف كجذر للهوية مع ترك الذهنية الريفية خارج دائرة هذه الهوية؟ وعند الحديث عن فتح الثورة المجال للبعض من أبناء القرى ليصبحوا أغنياء وأصحاب مناصب في مؤسسات الثورة العسكرية والمدينة والإعلامية.. إلخ، هل يمكننا القول بعكس ذلك دون أن نقع في رومانسية التصورات؟ وفي نفس الوقت هل يمكننا مسامحة انزواء النخب “المدنية” أو انسحابها من الساحة الثورية أم أن اعتكافهم له مبرراته المنطقية؟ وأين هم الآن؟

تتفرع عن مناقشة جدلية الريف والمدينة الكثير من الأسئلة الإشكالية. وإن كانت “المشكلة” في المنطق هي كل مسألة يمكننا الإجابة عنها بإثبات البرهان، فـ”الإشكالية” هي مسألة لا يمكننا الإجابة عنها بسهولة أبداً، بل قد تحتمل أجوبة عدة مختلفة، لذلك فالإحاطة بهذه الجدلية وتقديم الأجوبة في مقال أمر مستحيل، وحسبنا أن نخطو في هذا النقاش خطوة أو اثنتين.

أولاً، لا بد أن نقول إن الريف السوري ليس ذو لون واحد، وذهنية سكان الريف وسلوكهم وطبائعهم وتقاليدهم وحتى تديّنهم وأزيائهم شديدة التباين في بقعة جغرافية من أكثر بقاع الأرض تنوعاً وتلوناً مثل سوريا، فابن الريف الدمشقي مختلف في الطبع والسلوك عن ابن الريف الحموي، وابنة الريف في الجزيرة السورية تختلف عن ابنة الريف الإدلبي، التي تختلف هي الأُخرى عن ابنة ريف اللاذقية. إذن، لا نملك مقياساً ضابطاً لتحديد مدى تمدن مجموعة بشرية تعيش خارج سور المدينة، وإن اعتبرنا أن التمدن يعني الانفتاح على الآخر، فبعض الأرياف السورية أكثر انفتاحاً من مدن سورية ضاربة في القدم، وإن جعلنا المستوى الاقتصادي للفرد من معايير التمدن، فالكثير من أبناء القرى السورية يعيشون في بيوت أشبه بالقصور، والأمر ذاته ينسحب على التعليم والثقافة، أما في السلوك السياسي فقد فرّق المؤرخ الكبير “حنا بطاطو” في كتابه الثمين “فلاحو سوريا” بين الفلاحين البستانيين والفلاحين الزراعيين، وأيضاً بين الفلاحين ذوي الأصل المحارب في الجبل والفلاحين الأكثر مرونة في السهول، وبين الفلاحين من أهل العشائر والفلاحين الذين لا ينتمون لعشيرة، وبين الفلاحين ملّاك الأراضي والفلاحين الذين لا يملكونها، وبين الفلاحين السنّة والفلاحين من سواهم، ويواصل التفريق والتمييز ليقول نهاية الأمر إنه لا يمكننا وضع هؤلاء الفلاحين المختلفين في كتلة واحدة، ويشدد على أنه لا يمكننا الافتراض بأنهم يتصرفون سياسياً بالطريقة ذاتها.

وعليكم أن تسألوا أيضاً عن رأي الكرد في القامشلي بتمدن الكرد في كوباني (عين العرب)، ورأي كرد كوباني بمدى كردية وأصالة الكرد في القامشلي أو عفرين.

سكان الريف السوري ـ مثل معظم السوريين بما فيهم سكان المدن ـ مرضى بشكل أو بآخر بكثير من الأمراض الاجتماعية بما فيها مرض التمدن نفسه، فبعض سكان المناطق الريفية في الجزيرة السورية مثلاً ينظرون إلى مناطق ريفية أُخرى بنظرة دونية وهذا أمر عاينته عن قرب، ولا أريد أن يستغرب القارئ إن قلت له إن بعضاً من أبناء محافظة الرقة ـ وهي إلى حد ما أكثر المدن السورية انفتاحاً على ريفها ـ ينظرون إلى أبناء بعض المدن الكبرى بنظرة دونية تساوي وربما تتفوق على نظرة كثير من أبناء هذه المدن لهذه المحافظة “الشاوية”، وعليكم أن تسألوا أيضاً عن رأي الكرد في القامشلي بتمدن الكرد في كوباني (عين العرب)، ورأي كرد كوباني بمدى كردية وأصالة الكرد في القامشلي أو عفرين.. كل محافظات الجزيرة السورية هي ريف متخلّف بالنسبة إلى مدن سورية أُخرى، بل لا نبالغ إن قلنا إن سوريا كلها هي ريف كبير بنظر الكثير من العنصريين في لبنان أو تركيا، فمن هو المتمدن إذاً؟

التهميش الشديد الذي عانته معظم الأرياف السورية على مدى عقود، جعلها اليوم ساحة صيد ثمينة لجميع الأطراف في الحرب الدائرة في البلاد، وإن كان ساكن المدينة يتمتع بمحيط مدني محفز على العمل أو الهجرة، فإن ساكن الريف يعيش وسط البطالة أو شبه البطالة وحبال ارتباطه بمحيطه كثيرة، وعندما قررت قوات النظام تعزيز قواها توجهت إلى تشكيل قوات رديفة نواتها من أفراد ينحدرون من أرياف الساحل السوري، والتنظيمات الراديكالية قدمت كل المغريات للشبان في أرياف إدلب والرقة ودير الزور، والأمر ذاته تفعله اليوم “قوات سوريا الديمقراطية”، لدرجة أن حملات التجنيد الإجباري تنشط في الأرياف لا في المدن، والذين انضموا لفصائل “الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا معظمهم من الأرياف، والقوات الروسية تقدّم مبالغ مغرية للشبان في ريف دير الزور مقابل الانضواء في تشكيلات المرتزقة التي تُرسلها إلى ليبيا، والأسباب التي جعلت الريف متصدراً للمشهد الثوري في سنوات الضياع والتشرذم والمآسي هذه، تتعلق بالتمدن والتحضر بدرجة أقل بكثير من تعلقها بالجغرافيا والسياسة التي فرضتها الطبيعة والأمر الواقع والإرادات الدولية المؤثرة في سوريا، وكل ما سلف لا يعفي أي فرد أو جماعة من المسؤولية ولا يمسح العار الذي ألصقوه بأنفسهم، ولا يخفف من معاناة المدنيين الذين عانوا وما يزالون من انتهاكاتهم.

الشعوب العربية تدفع ثمن تغييب برجوازيتها وإفقادها بُعدها الأيديولوجي، والثمن برأيه ليس فقط أنظمة سلطوية فوقية وراثية، بل قد يزداد إلى حركات شعبية تحتية واعدة بشموليات من نوع جديد أو أكثر جذرية.

ثانياً، على الصعيد السياسي وفي ظل أزمة الوعي الوطني والثوري والديمقراطي التي نلاحظها عند الكثير من أبناء المدن والأرياف على حد سواء، يمكننا القول إن سوريا بأمس الحاجة لنخبتها المفتتة والمطحونة، وإلى برجوازيتها الوطنية التي لم نعرفها نحن أبناء هذا الجيل، فنخبة الجماعة ـ أي جماعة ـ في العلم والاقتصاد هي الأقدر على قيادة الجماعة في ميادين السياسة.

وأود الإشارة لرأي المفكر جورج طرابيشي في المسألة، وهو رأي ذو أهمية كبيرة، حيث تحدث طرابيشي في كتابه “هرطقات 1” عن أزمة الديمقراطية في العالم العربي، ويقول إن الثورات الوطنية والانقلابات العسكرية القومية واليسارية غداة استقلال الدول العربية، حفرت بضربة معول واحدة قبر الديمقراطية والبرجوازية معاً، مضيفاً أن الشعوب العربية تدفع ثمن تغييب برجوازيتها وإفقادها بُعدها الأيديولوجي، والثمن برأيه ليس فقط أنظمة سلطوية فوقية وراثية، بل قد يزداد إلى حركات شعبية تحتية واعدة بشموليات من نوع جديد أو أكثر جذرية، فالمعارضة الشعبية للديكتاتوريات برأيه لا بد أن تأخذ شكل صعود محتوم للأصولية، خصوصاً أن عالمنا العربي يتحكم فيه منذ عقود، التوظيف الأيديولوجي والثقافي أيضاً للدولارات والنفط لصالح الأصولية.

ويذهب طرابيشي إلى أن البرجوازية رغم كل عللها وأمراضها وسلبياتها الكثيرة، إلا أنها الحامل الحقيقي للديمقراطية، فالديمقراطية وإن لم تتواجد بتواجد البرجوازية، فإنها تغيب حيثما غابت. فأين نخبة السوريين وأين برجوازيتهم اليوم؟


المزيد للكاتب:

ما يحتاجه السوريون.. دعوة للتعرف إلى هاشم صالح

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
4 تعليقات
  1. صالح الحموي يقول

    أود نشر مقال كامل رد على الكاتب نجم السمان فهل يمكن ذلك طبعاً هذا من بديهيات وأصول العمل الإعلامي السماح بالرأي والرأي المضاد

    1. seo يقول

      أهلاً بك صالح الحموي، نود الإشارة إلى أن كاتب المقال هو “نجم الدين النجم” وليس “نجم السمان”، وبالطبع يمكنك الرد على المقال.. نرحب بمشاركتك.

      أرسل الرد إلى البريد الإلكتروني (info@ayyamsyria.net) لتطّلع عليه هيئة التحرير في صحيفة “الأيام”، وستتلقى رداً منها خلال أيام معدودة.

      شكراً لك.

  2. noha يقول

    المقال موضوعي ولكن العنوان يحمل عكس ذلك

    1. seo يقول

      لكِ الاحترام يا NOHA

      إذا أردتِ، بإمكانكِ إرسال رأيك بشأن العنوان إلى هيئة التحرير، أو كتابته باستفاضة أكثر هنا في التعليقات.

      شكراً لكِ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.