الرقص على حبال المبادرات… -عقاب يحيى

مرة أخرى.. ومرات كثيرات قادمات سنتحدث عن الحل السياسي.. وأمواجه الكثيرة التي ستضرب بتلاوين مختلفة أوضاع المعارضة.. وبما يخلق عوامل جديدة، ومستمرة للخلاف والاجتهاد دون أن يرتبط ذلك بالمجدي..
تمامأً وقتما دقّت أمريكا طبول الأساطيل وهي تتحدّث عن ضربات وشيكة للنظام ستكون ماحقة وساحقة وستنهيه..إثر استخدامه الكيماوي الذي اعتبره السيد أوباما خطاً أحمر لا يمكن ـ ابداً ـ السكوت على النظام إن تمّ ذلك.. وجاء من يبشّر، ويلقي بالمعلومات” المؤكدة” عن ضربات خلال 48 ساعة، وعن تفاصيل تنمّ على أن أصحابها ملأوا” أيديهم” وقناعاتهم بالتصريحات الأمريكية، وكأنهم قيادات في البنتاغون.. فصال الخلاف وجال في صفوف المعارضة، وانقسم الكثير بين مؤيد، وحيادي، ومعارض.. وانطلقت توصيفات التوصيف عن الوطنية والخيانة… وحدث شدّ شعر كثيف حتى للرؤوس الحليقة.. ثم تبيّن أن الأمر مناورة بمناورة.. وأن الهدف شيء آخر : الوصول إلى صفقة كبيرة عنوانها : وضع اليد على السلاح الكيماوي وتدميره، بينما المخفي كان أعظم.. ويشير إلى ما أفصحت عنه الأيام باتجاه شيء مع إيران .. ما تزال بعض تفاصيله ترسمها الوقائع، بينما يحوم اللغز حول الموقف من النظام.. وتغيير الشعار من التغيير.. الموصل للإسقاط..إلى شيء من التأهيل المعجون بمطمطة محسوبة.. وكأنها تنتظر واجهة أخرى مناسبة.. فكانت “الحرب على الإرهاب” يافطة أكبر من كل التوقعات، وممراً لتبرير التلكؤ، والتغيير.. وربما التعاون، والإشراك في هذا الجهدّ العالمي” …..
***
جميع السوريين، بلا استثناء، بالمتشددين سياسياً منهم واللينين، والرطبين، والمعتدلين يوافقون على الحل السياسي سبيلاً لإنهاء وضع شاذ، وتأمين الانتقال إلى نظام تعددي ديمقراطي، وهناك من المواطنين من طفح كيل صبره، ومعاناته، واستحكم اليأس به، ومن حياة معجونة بالموت والدمار والحرمان، والذل، واللجوء، والحاجة، و.. كثير .. وهو يتمنى ويحلم أن يقف هذا الموت المعمم، وأن تعود الحياة إلى سيرورتها الطبيعية… ولكن بوضع يتنفّس فيه شيئاً من الحرية تعوّضه ولو قليلاً عن التضحية.. وما عانى …
لكن : هل يقبل السوريون أي حل ؟؟…
ـ بل هل هناك في الأفق الواقعي حل فعلاً ؟؟..
ـ حين نتكلم عن السوريين فإننا نعني أهل الثورة بكل فئاتهم، وهم يشكلون أغلبية واضحة من الشعب، والذين ثاروا، وضحّوا تحت عنوان التغيير، وإسقاط النظام، وأقله رحيل القاتل الذي مارس كل الفظاعات بحق أغلبية العائلات التي أبيد بعضها بالكامل، وكثيرها في حالات كبيرة، والعديد فقد جزءاً هاماً من أعضائه، او أسرته، ناهيك عن التعذيب والاغتصاب والإذلال شبع المميت، والنزوح واللجوء بالملايين .. فهل يمكن بعد الذي جرى، وبغض النظر هنا عن أي عامل، او حساب سياسي، ومع كل موجبات التسامح، والمصالحة العامة، ومقاومة اتجاهات الثأر والانتقام.. أن يقبل هؤلاء باستمرار القاتل وكبار رموز نظامه ولو يوماً ؟… وكيف يمكن لمثل هذا أن يسمى حلاً سياسياً، أو تكريس ما يسمى” لا غالب ولا مغلوب”، أو وضع القاتل والضحية في ميزان واحد ؟؟….
ـ واقعياً من هي الجهة المخوّلة، بله والمهيّأة لمثل هكذا حل؟..ومن يقدر على فرضها على المواطن العادي ناهيك عن القوى المسلحة حتى لو أثقلت بكل تعهدات الدنيا، وضمانات ما يسمى المجتمع الدولي ؟؟…..وأي قوى سياسية سترضخ لشروط مجحفة حتى لو كانت من عجين، ومعتدلة جداً جداً؟؟
ـ في واقع الحال، وضمن المعطيات المتوفرة، وموازين القوى الداخلية، والدولية,, لا توجد هناك ظروف، وشروط مناسبة لأي حل سياسي قابل للحياة.. إن كان ذلك على صعيد نهج النظام المستمر في القتل والتدمير والرهان على ” الانتصار” الإبادي، او ما يخصّ قوى الثورة، والعمل العسكري متعدد الخلفيات والقرارات ..أو على المستوى الدولي .
ـ وحين نتوقف عند الحركة المصرية، وبغض النظر عن الموقف من النظام القائم، فظروفه الداخلية، وموقعه، وعلاقاته الإقليمية خاصة مع المملكة العربية السعودية ومعظم بلدان الخليج التي تطرح خطاً مغايراً مازال يتلاقى وشعار إنهاء النظام، وما يزال مقتنعاً بعدم جدوى الحل السياسي بوجود رأس النظام وكبار مجرميه ..كل ذلك لا يرشحه ليكون حاملاً لمبادرة، ومقتدراً على السير فيها .
ـ وروسيا الاتحادية تعاني أزمة اقتصادية مثقلة لها تداعياتها الكبيرة، ومن جهة أخرى، ووفق موقعها من دعم النظام، وما تطرح.. فليست مهيّأة لقيادة مبادرة سياسية قابلة للنجاح، وإن كان الكثير من المحللين يؤكدون على الطابع التقايضي فيما تنوي عمله عساها بذلك تؤثر على مواقف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي في مسائل كونية متعددة.. تأتي أوكرانيا في مقدمتها ..
ـ بينما يستحيل على إيران المشاركة بشكل مباشر في الحرب ضدّ السوريين أن تكون طرفاً مقبولاً لقيادة مبادرة سياسية متوازنة ..
ـ أما ديمستورا الذي يحاول انتهاج سبيل مختلف عن سابقيه من” مندوبي الأمم المتحدة” بوضع نقاط تشبه الجزر، ومفصولة عن حل سياسي شامل، وما يعقده من رهانات على ما يسمى التجميد الموضعي، والتركيز على حلب منطلقاً.. فإن سعيه يبدو خارج الأقواس.. ويتلاقى والبقية في محاولات ملء الفراغ، أو اللعب في الوقت الضائع.. انتظاراً لمتغيرات أخرى… داخلية وإقليمية ودولية .
ـ وسط هذه اللوحة.. فالجميع يعرف ويدرك أن بيت القصيد في المواقف الدولية يخصّ الإدارة الأمريكية، فهي الأقدر من الجميع على ممارسة ضغوط من شأنها فرض حل سياسي ما، وطالما أنها منشغلة بأمور “استراتيجية” تعتبرها أهم بكثير، وطالما انها لا ترى في “المسألة السورية” حالة تستحق بذل المطلوب في هذه المرحلة.. فإن جميع المبادرات، وأيّاً يكون مضمونها، والجهة التي تقف خلفها.. يصعب أن تجد طريقها للتجسيد..
***
لذلك.. ومهما كانت المسافة بين أطروحات المحسوبين على المعارضة.. فإن الأمر لا يستحق الدخول في حروب جديدة، ولا حمحمة الاشتباكات والتصنيفات التي درجنا عليها.. تاركين للأيام القريبة أن تثبت الحقيقة..
في الوقت نفسه فهذا الوضع الموصوف.. يستحق من قوى الثورة والمعارضة الالتفات الجدّي نحو المهم من المهام، وفي مقدمها : العمل على تعديل ميزان القوى الداخلي بكل الموجبات والجوانب، خاصة على صعيد توحيد العمل العسكري تحت راية سياسية واحدة، وتكريس رؤية سياسية واضحة لدى الجميع تلبي أهداف الثورة في بناء وطن حر، مستقل، ديمقراطي، تعددي. ينجز مهمات الانتقال إلى الدولة المدنية الديمقراطية بجميع مفرداتها المنصوص عنها ـ بدءاً ـ في وثائق القاهرة للمعارضة ـ تموز 2012، والعمل على تطويرها بما يستجيب للضرورات والمتغيّرات، وبذل الجهد المخلص لتوحيد قوى المعارضة والحراك الثوري والمدني من خلال مؤتمر وطني جامع يضع خارطة طريق للواقع والمستقبل .. ويستلهم الوطنية السورية العريقة في استعادة القرار الوطني المستقل وبناء العلاقات والتحالفات وفقاً للمصلحة السورية العليا، ومقتضيات معركة انتزاع الحرية، وإنهاء نظام الإجرام والفئوية..
عقاب يحيى 27/12/2014

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.