الرفسة المجرية بقلم محمد المطرود

بعد أقل القليل من الوقت الذي يتركه القدر بين المصيبة والأخرى، فمن مشهد الطفل “عيلان” الملقى على شاطئ تركي كما لو أنه نائم في أبهى صورة تتركها الطفولة: لباس أنيق ونظيف وحذاء صغير ملون، وربما أحلام بكر وبالونات ملونة وحديقة ألعاب في الدولة الأوروبية، لم تمر الصورة عابرة كأي صورة، ولم تتوقف عند حدود معينة من الدهشة والمرارة اللتين تركتهما كجثة على روح وعقل الإنسان، تحولَ الشاطئ ذاك إلى حقل للمعاناة حفر فيه كل من رأى الصورة وعاشها في وجدانه وأطفاله، ولم تأت الدمعة متسولة عاطفة بعيدة، كأن يتذكر المرء السوري كل ما فقد طيلة سنوات مملوءة بالحرمان والفقد والتحسر على ما فات من العمر مع البؤس الذي كان سمته وديدنه.
كانت صورة “عيلان” المسجىَّ هناك كافية لأن تستدر كل الألم وترفع حذاءه الصغير بوجه من ساهم في صنع مأساته/ مأساة السوريين كلهم، سواء من (الأهلون) أو غيرهم ممن ذرفوا دموعا كاذبة، بينما كانت السكين في أيديهم تحزُّ رقاب أطفال وشيوخ ونساء، وقد يكون الطفل صريع البحر هو صريع أحد السكاكين تلك في حال من الأحوال.

موت طفل هو مجزرة بحد ذاته، يسرد أب نجا من مجزرة (الحولة) بأن ما آلمه أكثر بعد نزوح العاصفة القاتلة وتكدُس الجثث في مسرح الجريمة كأشلاء فقدت ملامحها وقوامها هو أن يتعرف إلى جثث أبنائهِ وينسب الأشلاء المختلطة ببعضها إلى أصحابها! فارتأىَ أن يذهب بعاطفة الأب بأن يجمع كلّ أربعة أطراف في كيس، ثم يترك أمره لله ليفعل ما يريد، متأكداً أن أرواحهم التي تصعد إلى السماء، ستتعرف شكلها، وسيمشي كل منهم بأطراف سليمة في الجنان الفسيحة.

تحولُ الأب من مفجوع إلى الرضى بالأقل الممكن: جثة سليمة يمكن دفنها، لهو تحولٌ دامغ في ذهنية الإنسان للتعامل مع مصيبته كلما عظمت وكانت فريدة ولا شبيه لها.

من مشهد طفل الشاطئ التركي إلى المشهد الذي بطلته الصحافية المجرية “بيترا لازلو”، تحضر الكاميرا كموثق، وكعين ترى مباشرة، وإن كان المشهد في الأولى (بعدي) أي أخذا الطفل طريقه إلى حتفه، فأنه في الثانية أكثر صدماً للعين، الصحافية هنا قاتلة، الضربات التي توجهها كبغل، لا تظهر أدنى الود تجاه بشر خرجوا من النار إلى ما يعتقدونه أمانا وهروبا من وحوش كثيرة من الأسلحة إلى المجاعة.

الأب الذي عرفه السوريون (يوسف الغضب) مدرب فريق (الفتوة الديري) لكرة القدم يعي تماماً حركة الملعب، لكن الرفسة التي سددتها إليه الصحافية لم تكن متوقعة، ويعلم هذا الرجل أن الكاميرا ترصد الملعب وأن العرقلة تأتي من اللاعبين، وليس ممن يقبع خلف العدسة ليرصد الأخطاء وينقل المشهد بصدق إلى الناظرين، هنا من يرصد الخطأ يرتكبهُ، الأب المنطلق بسرعة لم يبد كأنه يريد اجتياز حاجز من الشرطة، وإنما بدا كما لو أنه يريد اجتياز دائرة النار إلى ما يراه فضاء آخر للخلاص، لم تكن هذه الصورة الأكثر دموية ووجعاً ففي الخلف وقبل تصويبة بيترا ليوسف، وقد يكون هنا للاسم دلالة، فيوسف هنا أيضا له أخوة يتوزعون على بلدان كثيرة، أفضلهم يعجّزه بـ (سمة الدخول)، ويضيق عليه في عمله ولقمته ويحاربه في مسكنه وعرضه، ويسميه مخربا ولاجئاً وأشياء أخرى..

بيترا وواضح أنها رشيقة وتمتلك حساً قتاليًا يظهر في اختيارها لمواضع الضربات، يظهر نفس (الفيديو) ضربتين أحدهما لرجل يمسك بيد طفلة والأخرى للطفلة نفسها، يمكن لمن رأى المشهد أن يلمح ذلك الخوف الشديد والرغبة الكبيرة في الركض من قبل الطفلة التي تلقت تلك الرفسة الموجعة من دون أن تلتفت أو تتوانى ولو قليلاً عن سيرها الحثيث نحو أمنيتها الجديدة.

إذا كان التاريخ الحديث يتعامل مع رقصة زوربا كوجه حضاري يوناني، فعلى هذا التاريخ الحديث أن يتعامل مع رفسة بيترا، الصحافية المجرية باعتبارها خزيًا عالميًا، يضاف إلى الخزي الذي تلصقه المعاناة السورية بوجه العرب/ أبناء العمومة أولا ومن ثم بالعالم صاحب نداءات حقوق الإنسان.

الرفسة عادة لفظة تأتي في ذكرِ البغل، فالبغل على عكس حيوانات الركوب الأخرى، لأن حركة غدره بصاحبه قريبة جدا، وقالت العرب “مثل البغل رفسته تحت إبطه”.

العربي الجديد
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.