الرسالة الثقافية الخالدة لجامعاتنا في زمن الصمود – بقلم أحمد يوسف

لم اكن الوحيد الذي اضل الرسالة الثقافية الخالدة لجامعاتنا السورية في زمن البعث. كان ذلك ايضا حال صديقي الكردي حسين. حدثني حسين، قبل دخوله الامتحان لمادة الفلسفة الشرقية للسنة الاولى، عن قلقه وهو الذي فشل بتجاوز امتحان المادة ذاتها لثلاث محاولات سابقة. قال لي: هذه المرة اما ان انجح بها وإما سأهجر الجامعة. كان الامتحان مصيريا فحضر له حسين كمن يحضر لأطروحة الدكتوراه. لم تكن المفاجأة الكبرى رسوبه ولا العلامة التي نالها حين ظهرت النتائج فيما بعد. وعلى الرغم من ان علامة الصفر التي نالها كانت سابقة في تاريخ القسم ولكن مع ذلك كانت المفاجأة الاكبر حصول زميلتنا ميم على اعلى علامة وهي التي لم يسبق لها النجاح في اي مادة سابقة. دفعني طبعي الحشري لان استفسر منها عن سر تحولها من امية الى فيلسوفة . فتحت لي هي قلبها وسريرتها وما تبقى من ازرار سترتها وشرحت لي بأسلوب الغمز واللمز سرها الاشراقي قائلة : اشبعت للدكتور ظمأه الفلسفي ونخرت وعيه حتى العظم فنجحت. وأضافت بلغة ساخرة: بس مشكلة هالدكتور انه مطهر كتير. وكانت تقصد بذلك رئيس القسم برهان مهلوبي. استبدلته ميم بعد ذلك بدكتور مطهر اقل والذي قدم حديثا من جامعة دمشق. وعندما داهمهما الامن في خلوة ثقافية في فندق زنوبيا خرجت هي هاربة بنصف ثيابها صارخة: اعتدى علي. عاد الدكتور المطهر اقل المعتدي على خيرات الوطن الى دمشق حاملا معه فطامه الفلسفي السابق وملفا امنيا حافلا بالبطولات الثقافية. اضطرت زميلتنا في نضالها التثاقفي ان تعاشر دكتورا جديدا قالت انه غير مطهر مضيفة جملة من وحي مجازاتنا الاجتماعية مفادها: بيضاته كبار.
ولم تكن ميم وحدها من سبر غور ثقافتنا الجامعية وقبض على مكنوناتها الدفينة. فقد استطاع اياد نعيمي الفلسطيني الاردني وفي زمن جد قصير ان يختصر مسيرته الدرسية والدراسية بان اشترى المواد بدل من ان يشتري الكتب. قال اياد: الدراسة في سورية رخيصة. فمادة التربية القومية على سبيل المثال لم تكلفه اكثر من حبة بطاطة. وحبة البطاطة تعني في لغته التشفيرية عشرة آلاف ليرة سورية. هكذا كان يحلو لإياد ان يتكلم بلغة رمزية عن مضارباته الثقافية وكأنه بائع بسطة خضار في سوق معرة النعمان. لم يشتر اياد المواد الفلسفية وحسب بل اشترى كل ما عرض عليه من مواد الرياضيات والهندسة والعلوم ليبيعها لطلاب اخرين. كلفتني هذه المادة قرص بندورة؛ هكذا كان يقول في مساوماته مع طلاب العلم في جامعة تشرين في اللاذقية. و يقصد اياد بقرص البندورة خمسة آلاف ليرة سورية. وكانت التجارة الثقافية مربحة حدا جعل اياد بعد تخرجه يهجر عمله كمضيف بطائرة ليعود الى المضاربة الثقافية في سورية الصمود. وفي خضم الثورة السورية تحدث الاعلام السوري عن اعتقال جاسوس اسرائيلي في حدث واكب اعتقال المقدم حسين هرموش. كان الجميع ينتظر بشغف ليشاهد شكل هذا الجاسوس على تلفاز الممانعة والمقاومة. ولم تكن المفاجأة ان الجاسوس الاسرائيلي لا يتكلم العبرية ولا يفهم بالتجسس والعمل المخابراتي بل كانت المفاجأة بالأحرى ان الجاسوس فلسطيني يتكلم لغة البطاطة والبندورة: انه اياد نعيمي نفسه وقد تكلم باللغة الوحيدة التي يتقنها. جاسوس اسرائيلي في بلد الممانعة؟!!!!! لم تغير، على ما يبدو، بلد المقاومة نهجها وعادتها فكلما زادت بلد الصمود ممانعة زادت ايغالا بالفلسطينيين.
فهمت متأخرا، كما اغلب اصدقائي، الرسالة الثقافية الخالدة لجامعاتنا في زمن الصمود. ولم يفدني هذا الفهم شيئا سوى انني ترجمته في نصيحة لزميلتنا ميم مفادها: لا فائدة من دكاترة الفلسفة سوى تضييع الوقت؛ اذهبي وعاشري ضابطا كبيرا في الجيش فإما ان يعطيك شهادة عليا في الطب وإما ان يضعك في مكان بثينة شعبان.

رابط اعترافات اياد نعيم بوصفه جاسوس اسرائيلي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.