الرجل الذي كان يحب الكلاب

يمكن اختزال كتاب “الرجل الذي يحب الكلاب” لمؤلفه الكوبي “ليوناردو بادورا” بسؤال إسقاطي على كل التاريخ اللاحق، ما الذي يجعل الأحلام أن تتحول إلى كوابيس؟

الأيام السورية؛ خالد علوش

كتاب من طراز خاص، صدر من عشر سنوات وتُرجم إلى العربية من سنة، كتاب سردي، طويل، مؤلم، ويجعل القارئ أحياناً يُصاب بجفاف الحلق وأحياناً شعور بالمرارة والاختناق؛ إذاً فهذه دلائل تشير إلى عمل رفيع جداً وقاسي وله تجربة في الحياة، بغض النظر عن قبولنا لما جاء فيه من حقائق تاريخية أو تقديمات خيالية للشخوص وطريقة سردها، أو رفضنا لكل ذلك ومواقفنا المسبقة من طبيعة الأيديولوجيات المعروضة في النص.

النقطة الجوهرية في الكتاب هو قدرته على خلق إحساس ثقيل ومؤلم في تشريح ليس فقط التاريخ الشخصي لتلك الشخوص، بل امتداد لكل بنية سياسية في ذلك الوقت ومعنى الأهداف الأيديولوجية والأحلام التي انهارت بعد سنوات فقط من تحقيق ما أُطلق عليه مسمّى العدالة.

يمكن اختزال هذا الكتاب الكوبي “الرجل الذي يحب الكلاب” لمؤلفه الكوبي “ليوناردو بادورا” بسؤال إسقاطي على كل التاريخ اللاحق، ما الذي يجعل الأحلام أن تتحول إلى كوابيس؟. بهذا المعنى يستقي بادورا حكاية ممتزجة بين الخيال والوقائع التاريخية لقصة اغتيال الثوري البلشفي ليون تروتسكي في المكسيك؛ ويسرد الكاتب الرواية بثلاثة أنساق سردية، حكاية الكاتب الكوبي إيبان، وحكاية القاتل الإسباني رامون ميركادير، والقتيل الروسي ليون تروتسكي.

حكاية ممتزجة بين الخيال والوقائع التاريخية لقصة اغتيال الثوري البلشفي ليون تروتسكي في المكسيك؛ ويسرد الكاتب الرواية بثلاثة أنساق سردية، حكاية الكاتب الكوبي إيبان، وحكاية القاتل الإسباني رامون ميركادير، والقتيل الروسي ليون تروتسكي.

يمكن الحديث مطولاً عن تلك السردية المتشابكة والغرق بجمالياتها التي تذكرنا بالسرديات الكلاسيكية الضخمة لأعظم الأعمال وكبراها، لكن الحديث عن ذلك قد يأخذ طريقة حوارية لا تنتهي بسهولة لروعة البنية السردية، لذا فاختصار بعض أجزاء الرواية هو أولوية، وهي عمق الشخوص وطريقة استغلالهم وتقديم أفكارهم، وربما شخصية القاتل هي الأكثر جذباً لقدرتها على توصيف سعي إنسان سياسي في الصورة العامة، لكنه آلة مهمّشة فعلياً على أرض الواقع، لا ناقة له ولا جمل في هذا التاريخ المليء بالمؤامرات المؤدلجة بين السياسيين والعسكريين وروّاد الثورات، سوى أنه تابع لجهة يعتبرها الأصالة والحقيقة، إلا أنه أصبح بطلاً لاحقاً ليأخذ وساماً من الاتحاد السوفيتي؛ لقد تم استخدامه بطريقة ساذجة لقتل شخص كان جزءً مهماً من حركة التاريخ، وما استذكار رامون ميركادير اليوم إلا بسبب أن ضحيته هو تروتسكي فقط.

رواية ملحمية بكافة المقاييس، ورغم كل شيء إلا أن القارئ لا يمكن أن يبقى على ثباته الأيديولوجي المسبق من الفكرة والاستعراض مهما كان تابعاً لثقافة ما، إلا إن كان مجرداً أساساً من أي اعتبار للاختلاف الإنساني عن طبيعته وأفكاره الجاهزة؛ لا يمكن لقارئ هذا العمل الملحمي سوى أن يتأثر فعلاً بتلك الشخوص وسردياتها وانفعالاتها وأفكارها وحياتها، مع القاتل ومع الضحية، وهذه من الأشياء النادرة الحدوث في عوالم الأدب، ووجودها ضمن سرد معين فهذا دليل على عمق الكاتب ووقوفه على الحياد أمام مسألة تاريخية ولها تبعات أيديولوجية.

“الجيل القديم الذي بدأنا معه طريق الثورة أزيل من المشهد. ما لم يفعله النفي وسجون القيصر، وما لم تفعله المنافي والحروب والأمراض، تمكّن من فعله ستالين، السوط الأسوأ من بين سياط الثورة”.

بهذه الطريقة اختزل الكاتب رؤيته في فهم التاريخ والواقع الكوبي المتأثر أصلاً من ذلك السياق الستاليني. هذه الرواية ليست فعلياً حكاية التاريخ بشكل مجرد، بل هي حكاية تجربة كوبا نفسها بكل تأثراتها الخارجية وما فعلته تلك المنظومة من إرهاب حقيقي لفردانية الإنسان واختلافه؛ تلك البلاد التي حاولت تطبيق منظومة الاغتيال الفردي على كل السياسات اللاحقة.

طبعاً العمل قد يبدو تقديم جانب على حساب آخر، لكنه فعلياً تقديم حيادي بامتياز، من حيث الشعور والتعاطف مع الجميع والاشمئزاز وكره الجميع والإحساس بالشفقة على الجميع.

الجيل القديم الذي بدأنا معه طريق الثورة أزيل من المشهد. ما لم يفعله النفي وسجون القيصر، وما لم تفعله المنافي والحروب والأمراض، تمكّن من فعله ستالين، السوط الأسوأ من بين سياط الثورة.

إنها رواية ملحمية تاريخية سياسية، ورغم أنّ الأعمال السياسية بالعادة تكون نوعاً ما مملة وكريهة وفيها توثيقيات وكأنك تجالس محاضرة تاريخية على مدرّج جامعي، وهو ما يعطي انطباعاً بالنفور، إلا أنّ هذه الرواية لا تخرج أبداً من إبداعها الأدبي، رغم حقائق التاريخ فيها، إنها قدرة أدبية للكاتب بطريقة استثنائية حقاً.

عمل يستحق القراءة رغم ضخامته، قراءة متأنية للتلذّذ به والعيش في عمقه كتجربة إنسانية قبل أن تكون تجربة سياسية للتاريخ؛ تجربة الإنسان الخطّاء والمكتشف وضاعته المتحيّزة للأيديولوجيا الخاصة به، لكن بعد فوات الأوان.


مؤلف الكتاب ليوناردو بادورا(تويتر)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.