الذكي من يتعظ من عبر الآخرين

يجب على الوطنيين السوريين أينما وجدوا، العمل على تسخين قضيتهم على الصعيد الدولي بعيداً عن المعارضة الرسمية، التي فشلت في تمثيل الثورة السورية وانحطت إلى درك النظام. والعمل على إخراج تيار وطني يتجاوز النظام والمعارضة (الرسمية).

الأيام السورية؛ عمار جلو

ينهج رجال السياسة المنهج الطبي القائم على تشخيص الحالات لتصنيفها في خانتي الساخنة أو الباردة، ومن ثم جدولتها في سلم الأولويات لديهم. فانكفأ الجرح السوري نتيجةً لذلك ضمن أدراج السياسة الأمريكية بعد تصنيفه في خانة القضايا الباردة. لذلك لم يحظَ الانفجار السوري بأي اهتمام أو تصريح مستقل من أفواه الإدارة الأمريكية الحالية، منذ حملتها الانتخابية حتى الآن رغم حضوره المتناثر بين سطور قضايا أكثر أولوية لديها.

لأول مرة تُعلن المأساة السورية حضورها على لسان الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن، إذ مدّد الرئيس الأمريكي خطة الطوارئ الوطنية تجاه سوريا؛ وهو قانون تم إقراره عام ١٩٧٩ يسمح للرئيس اتخاذ قرارات حاسمة تجاه الدول المندرجة ضمن خطة الطوارئ، شريطة تأكيد وجود تهديدات غير طبيعية وخطيرة على الأمن القومي والمصالح الأمريكية.

وقبل ذلك بأيام، أقرت مجموعة السبعة في بيانها دعمها للتسوية السياسية الخاصة بسوريا وفق القرار الأممي ٢٢٥٤. سوى ذلك لم تحظَ القضية السورية باهتمام يذكر لدى القادة الغربيين عموماً والأمريكيين خصوصاً. إذ غطى الاتفاق النووي الإيراني وإعادة إحيائه على كل الملفات الخاصة بالشرق الأوسط لدى الإدارة الأمريكية الجديدة، مع سعيها لإنهاء الحرب الدائرة في اليمن وفيها اتخذت هذه الإدارة أولى قراراتها الخاصة بالمنطقة من خلال رفع حركة أنصار الله (الحوثيين) من قائمة الإرهاب، في خطوة تهدف منها دفع هذه الحركة إلى مسار الحل السياسي اللازم لدفن هذه الحرب.

كما تابعت الإدارة الحالية مسار الإدارة السابقة في الملفين الليبي والعراقي الهادف لإنهاء حالة الانقسام والوصول إلى انتخابات شرعية في الأولى، وتعزيز سلطة الدولة لإخراجها من الفلك الإيراني – مؤسسات ومليشيات – في الثانية. بقي الملفين السوري والفلسطيني أكثر غياباً لدى هذه الإدارة، مع إشارة لحل الدولتين الذي تتبناه الإدارة المذكورة والذي ورد لمرة واحدة على لسانها في الموضوع الفلسطيني مع إمكانية تدرّجه صعوداً في سلم الأولويات على إيقاع الأحداث الجارية في القدس وما يعقبها.

تبقى المقتلة السورية لا بواكيَ لها، فقد غادر المبعوث الأمريكي إلى سوريا “جويل رايبورن” منصبه دون تعيين خليفة له في المنصب فيما تم تعيين السيدة زهرة بيل مديرة لملفي سوريا والعراق في القسم الخاص بتنسيق شؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي، وهو مؤشر يدعو للقلق إن تم التوقف عنده من قبل هذه الإدارة في رؤيتها للحدث السوري مع مؤشرات أخرى تتصدرها المفاوضات الجارية في فيينا والهادفة لإحياء الاتفاق النووي مع إيران؛ هذا الاتفاق دُفنت تحت رماله دماء السوريين وآلامهم. لذا تشخص الأبصار إلى فيينا وما ستؤول إليه مفاوضاتها التي قد تحمل اتفاق يرسم شكل المنطقة من جديد.

ورغم قناعتي بأن التنازلات والأخطاء الأمريكية السابقة لن يُعاد تكرارها إلا أن الواجب على السوريين عدم ترك قضيتهم بين أيدي الآخرين والسعي للمشاركة في مسار قضيتهم وليس ذلك عليهم بعزيز، إذ استطاع المجلس السوري الأمريكي سابقاً مع منظمات سورية ودولية في عمل تراكمي بإيصال أحد ملفات الجرائم التي مارسها النظام ووثقها القيصر إلى عدد من المؤسسات والمشرعين الأمريكيين مما أدى لصدور قانون هو الأكثر شمولية في قيوده على النظام وداعيه وأكثر حيطة في ديمومته ضد محاولات الإلغاء من قبل الإدارات المتعاقبة.

لذا يجب على الوطنيين السوريين أينما وجدوا، العمل على تسخين قضيتهم على الصعيد الدولي بعيداً عن المعارضة الرسمية، التي فشلت في تمثيل الثورة السورية وانحطت إلى درك النظام. والعمل على إخراج تيار وطني يتجاوز النظام والمعارضة (الرسمية)، وما أكثرهم لولا تغييبهم خلف همجية النظام وعبثية المعارضة. وبدون هذا التيار لن تنعم سوريا بالاستقرار ولن تحقق الثورة أهدافها التي قامت لأجلها بعد أن دفعت ثمن هذه الثورة أضعافاً مضاعفة نتيجة فشل الطرفين في إدارة عملية التحول الديمقراطي لسوريا الذي فرضته موجات الربيع العربي.

لا ترى الإدارة الأمريكية الحالية من اللهيب السوري سوى نار داعش، وهو ما تم التصريح به من قبل وزارة الدفاع الامريكية الذي أكدت فيه” أن قواتها في سوريا لم تعد مسؤولة عن حماية النفط وأن واجبها هو مكافحة تنظيم الدولة “. لذا لن تتحرك إلا في إطلالة داعشية أو مجزرة كيماوية والتدخل الآتي من الحالتين لن ينتج حل حقيقي وما علينا سوى التكاتف ضمن تيار وطني حقيقي يؤطر نفسه ويخط مستقبل دولته من خلال حل ناجع يتولى تنفيذه رجال صادقين للنهوض بسوريا من مستنقع الفشل والاقتتال والتشظي المجتمعي، وقد يساهم ظهور هذا التيار في تعجيل الحل السوري بعد أن سقط النظام والمعارضة من أعين الفاعلِين الدوليين نتيجة تحولهما إلى الارتزاق السياسي والعسكري لحساب الفاعلِين الإقليميين.

طوى مؤتمر الطائف سنوات الحرب اللبنانية لكنه لم يتضمن الحل اللازم للدولة اللبنانية لبناء نفسها في إطار الدولة الحديثة، دولة المواطنة والقانون، كذلك لم تحمل أي حكومة عراقية لعراق ما بعد صدام أي مشروع وطني يعيد للعراق مجده التليد، وكذلك كل الحلول القادمة من الخارج أو الناتجة عن تفاهمات دولية والذكي من يتعظ من عِبر الآخرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.