الذاكرة والنزوح – بقلم أحمد يوسف

يا الهي ما اصعبه! خبرته انا منذ طفولتي. طفولتي كانت في الرقة ديار مولدي. ففيها عشت شقاوتي الاولى في دار صغيرة دائمة الاكتظاظ بالضيوف. كم من مرة تكومنا، انا وإخوتي، في غرفة واحدة وأحيانا في فرشة واحدة او فرشتين لنفسح المكان للضيوف القادمين من ضيعة منفية في جبل الزاوية. اليست الضيافة في البيوت الضيقة شكلا من النزوح؟ وفي ذات صباح رقاوي كئيب صعدت حافي القدمين وبدون بنطال الى سيارة مكشوفة جمع فيها اهلي فجأة كل عفش بيتهم وقيل ان وجهتها جبل الزاوية مسقط رأس ابي. وبينما كان اهلي يقتربون من ريف مولدهم كنت انا ابتعد عن مدينة مولدي. اليس هجران بيت حماقاتك الاولى نزوحا؟ استيقظت في يومي التالي للنزوح لأعيش ولأول مرة في حياتي مهرجانا ريفيا صباحيا لمرور الاغنام من امام بيت جدي. كل شيء في ذلك الريف عجائبي: موسم الحصاد واجتماع الغجر في بيدرها وأغاني العرس وحبهم الجنوني في السر وخلافاتهم اليومية على لاشيء. هناك في ذلك الجبل الذي لم تكن الحداثة قد اغتصبت فيه بعد فوضوية الحياة وعفويتها الريفية تعرفت ولأول مرة على جد عجوز بعمر شجر البلوط. كان اشبه بموسوعة تعيش حياتها سردا شفويا لسيرة الرسول ومحنة نبوته ولسيرة المهلهل ولسيرة جدنا هرموش وسيرة ثورتنا على الفرنسيين مؤرخة لطباعنا الفوضوية التي فاقت مخيلة برودون وباكونين. ولم يكن تحولي من الطفولة الى الشباب سوى نزوحا عمريا لا اراديا جعلني اهجر قريتي الى مدينة دراستي الثانوية في ادلب ومنها الى اللاذقية للدراسة في الجامعة فدمشق. وحين اخذت الطائرة لأول مرة في عمري نازحا الى فرنسا بدأت حياتي كلها تتداعى صورا في رأسي: صوت امي وهي تركض خلفي بعد كل حماقة قائلة والمكنسة في يدها: والله لادبحك يا حردون، تواطؤ ابي معي حين يقول لي سرا مضيفا: لا تخبر امك بتجرصنا، دفية بيت جدي وسرديات جدي البوحية، حكايا عمتي وشجار اخوتي الصباحي. ما امرّ هذا النزوح! لا شيء يرجع الى الوراء، هكذا كان يقول جدي. أحقا ما من رجوع الى الوراء؟ وحدها الذاكرة التي تثأر من النزوح بنزوحها المعكوس وفي عودها الحنيني الابدي الى الوراء. فهنا في آخر الدنيا، في كندا، وفي سهوة نوميّة يومية يأخذني، منذ سنتين والى الان، وفي كل يوم وعلى حين غرة صوت أمي ورنينه التوعدي في رأسي وصور الجن من حكايا بوب الليل وصورا من جنازة ابن خالي، لأعيش هكذا في شللي الصباحي، ما بين اليقظة والنوم، الذاكرة ماض مستعاد حينا وحاضرا يعيشه غيري، هم اطفال المخيمات، حينا اخر. كم غريب ان تعيش الذاكرة بردا وقلقا وحنينا تماما كما يعيشها اطفال هتفت حناجرهم الموت ولا المذلة! ليست الذاكرة، حين تخلط ما عايشته انت مع ما يعيشه غيرك، استردادا لماض بقدر ما هي تمرد ثأري على الماضي في تعاضدها مع حاضر الاخرين . للذاكرة روح لا تصالح جسدها تبقى تذكره عبر زياراتها النزوحية العكسية ان الحياة، كل حياة، ليست سوى نزوحا وفي النزوح كل النازحين اهل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.