الذاكرة حين تتعربش باب القلب

1/

لا أعرف فيما لو كانت تعرف أو تخطط لذلك؟ أم أنه كان محض صدفة؟؟

حجابها الأزرق المائل نحو الكحلي كان يخلق مع وجهها حالة من التناقض الصارخ، وكأنما يرسم لوحة لبحر تسبح فيه جنية، أو كأنما ترسم مدى بعيداً من رؤى وأحلام لا يمكن ترتيبها إلا بالشغف، كانت حيثما سارت لاحقتها عيون البائسين الحالمين برحلة في ذاك المدى المفتوح على الريح واحتمال التماهي في دورة العشق وتفاصيلها..
لا أجزم..!

لكنني ميّال أن الفطري فيها، شكّل هذه اللوحة بتفاصيل تشبه ما تصنعه الأساطير حين تتلى متواترة بين البشر..

2/

عيناها ناعستان، تشعان ببريق عجيب، تسكنهما تفاصيل الغواية وشياطين العشق.

وجه أبيض مدور، تشي الخدود فيه بألف شكل وشكل لتذوق قبلة قبل الوصول إلى زغب الشفتين، شفتان مرسومتان بصخب الشهوة، ترقصان بلا ميعاد، ترجفان حينما تهمسان، فترجف قلوب المحيطين، ويتزلزل نبض قلوب عشاق توزعت على الطاولات ينتظرون ابتسامة أو رمشة عين.

3/

على طاولة قصية في مقصف طلابي، جالستهم، هم مجموعة ممن يكتبون القصة والشعر، وهي ممن يحبون الشعر والأدب، هم ممن اعتاد ارتياد المقصف تاركين خلف ظهورهم محاضراتهم، وهي ملتزمة بدوامها وقلما تدخل هذا المقصف، ربما تغيّب المحاضر، ربما قررت هي أن تكتشف عالمهم.

بعد فنجانين من القهوة وكثير من الكلام قرر الجمع أن يلعبوا لعبة “رأيك بالآخرين” من خلال ورقات مطوية يقول الواحد رأيه بالآخرين الموجودين على الطاولة بجملة واحدة، كتب لها “تملكين عينين جميلتين براقتين” كتبت له “تملك الكثير من الفرح والقدرة على إضحاك الآخرين”.

انتهت اللعبة وانفضت الجلسة وما زالت عيونها براقة تلمع، أما هو فبات باحث عن الفرح في لغة العيون.

4/

اهتمت بدراستها أكثر في حين هو بالمقابل أهملها أكثر، هي تدرجت في سنوات الدراسة، وهو أدمن طاولة المقصف، كان يجلس على ذات الطاولة ويرسم بخيالاته صورة لها.. لعينيها.. للحظة خاصة تجمعه معها في مكان لوحدهما، التقيا مرات قليلة، على درج الكلية فتبادلا تحية خجولة، وعلى باب المقصف ابتسما بود، هي انسحبت مع زميلاتها، وهو سرق من عينيها حزمة من بريق وأخذ يلوّن قادم أيامه بالأمل.

5/

ما ليس سراً أنها سكنت في الزاوية اليسرى من صدره، حيث يزداد إيقاع النبض حينما يُذكر اسمها، أو حين يذكر عينيها، لكنها باتت بعيدة، تخرّجت من الكلية كعادة الفتيات الشاطرات، وخلّد هو فيها بعد أن استهوته لعبة السياسة وتعاطي الأدب، كانت من بيئة محافظة وهذا يعني أن حركتها ربما تكون مقيدة دون سبب واضح، حين يدخل الكلية ويتجوّل فيها كانت صورتها بخفرها المعهود، ونقاء وجهها، وصفاء بشرتها، تُذكّره كم أن الله أبدع في رسم تفاصيلها لغاية لا يعرفها إلاه.. يتنهد ويمضي قائلاً لحاله: كانت حلوة كما في القصص الرومانسية، كانت طيبةٌ وطيبة.

6/

في مرة كان يتسكع قرب كلية الآداب، من بعيد لمحها، كأنها هي، قال لنفسه، أسرع في خطواته، كانت ذات المشية بذات الدلال، الشمس في أوج عزها، بدأ يلهث لكنه استمر بمشية سريعة تحولت إلى هرولة حتى صار في زاوية مكنته من رؤية عينيها.. كانت هي ولا أحد غيرها… عينيها اللتين سحرتاه ذات ربيع تتألقان من جديد.

بدأ يضرب أخماساً بأسداس، كيف سيقابلها ومن أين سيبدأ؟ هل ما زال عالقاً في زاوية قصية في ذاكرتها؟ كان نبض قلبه يعزف إيقاع دبكة جبلية، لم يطل التفكير، اقترب منها، وبحركة مسرحية قال: مساء الخير، التفتت وقالت بابتسامة واضحة مصحوبة بدهشة جميلة: مساء الخير… إذن عرفتني ولم أكن نسياً منسيا، قال في نفسه، مازحها فضحكت، رسمت عيناها قوس قزح من فرح.. ترقصان وتُرقّصان الفضاء.

دارت به الأرض دورتين، ارتعش جسده وهي تقبل دعوته على فنجان من القهوة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.