الدُّرْج

بقي عشرون يوم ليلتمّ شملنا، لست ببعيد عنك، لكن استكثار زوجتي زجاجة جعة عليّ جعل عينيّ تشيخان. مع ذلك، بدأت أشم رائحتك، مع الرياح التي يأتي بها وجه البحر المتجعّد. اشتريت لك بلوزة جميلة من الهند، لم أكن أريد إخبارك، لكن لم أستطع، واشتريت لنفسي ربطة عنق.

ليلى أربيل
الترجمة عن التركية: نور عبدالله

22/10/1941
زوجتي الحبيبة.

وصلتني رسالتك الآن عن طريق الوكيل، سامحك الله، أليس من حقّي أن أكافئ نفسي في هذه الرّحلة الطّويلة بشرب كأس من الجعة في ميناء رسوْنا فيه؟ هل ذهبت إلى حانة؟ هل صرفت نقودي على امرأة؟ هل تستكثرين جعة بخمسين قرش عليّ في هذه الّرحلة؟ في الوقت الذي أمضي فيه كل الوقت في تصدّي ومواجهة أمواج أسوأ من ثعابين الإله الغاضبة، في سفينةٍ مضعضعة، واضعاً كل مستقبلي، وحاضري، من أجل أن يكون لدينا بيت، لنمضي أيامنا معًا، متشابكَي الأيدي، وحدنا، ننظر في عيون بعضنا بعضًا، متسكّعَين في حديقته الواسعة. بدأت بإذكاء النّار، ثم حصلت على إعجاب من هم أعلى مرتبة منّي ممن لا يساوون شيئاً، فأصبحت عريف الملّاحين، ثم نلت ترفيعاً وتولّيت إدارة قسم في مركز التّشغيل. لكن قلبي ينفطر بسبب زجاجة من الجّعة الألمانية. لو جمعت أيامي التي مرّت دون أن أرى عينيكِ العسليتين، آكل الحمّص، والفاصولياء اليابسة، وخشاف الّزبيب، ومرّة بالألف الكرّاث، لكان المجموع عشر سنوات سود مجعّدات. بعد هذا تقول لي زوجتي، نور عينيّ، ألم تفكر في طوب البيت وأنت تحتسي الجعة؟ يا لها من فلسفة غريبة للكون، دائماً ما تُستكثر علينا أشياء -نحن فئة العمّال- كالطّعام، والمشروب، والملابس، والتّدفئة، أو ملاذ للنّوم، أو شيء من التّرفيه، ويطلب منا أن ننسى أننا بشر، لكننا دائماً، ليس دائماً؛ بل أحياناً نضع أنفسنا مكان البشر. يا للأسف.

بقي عشرون يوم ليلتمّ شملنا، لست ببعيد عنك، لكن استكثار زوجتي زجاجة جعة عليّ جعل عينيّ تشيخان. مع ذلك، بدأت أشم رائحتك، مع الرياح التي يأتي بها وجه البحر المتجعّد. اشتريت لك بلوزة جميلة من الهند، لم أكن أريد إخبارك، لكن لم أستطع، واشتريت لنفسي ربطة عنق.

مع قبلات زوجك الصّارخة
دورسون قايماق

ملاحظة: الآن استلمنا برقية من اسطنبول، غداً نعود إلى مومباي، إلى بحر النار الذي يذيب، ويبتلع دون أن يمزق، ويزعزع بحقد وغدر. في هذه الحالة هناك أربعة شهور كاملة ليلتم شملنا. هذا يعني أننا سوف نذيب على الأقل كيلوين، ونرقد في أسرّتنا، ليتمكن أصحاب السّفينة من كسب المزيد، لكنه حقيقة يعني أن أواصل حنيني إليكِ! سأرسل لك آخر صورة للسفينة. الفتحة الأخيرة فوق المروحة هي قمرتي لكنها غير واضحة.

ملاحظة: كل من في السّفينة يعادون القبطان. أربعة أشخاص أصيبوا بالمرض نتيجة الطّعام الجاف، والأغلبية أصيبوا بالإمساك. أصبحنا ننتظر في شكل طوابير أمام الخلاء. القبطان عديم الوجدان، الذي لا يخاف الرّب، يسرق نصف حصص الطاقم. أفراد الطاقم ينتظرون مني إشارةً، يكفي أن أتلفّظ بحرف ليأكلوه من دون ملح. لكنّني لست بهذا الصدد. لنسدّد أقساط البيت، ولنحصل على صكّ الملكيّة أوّلاً. بعدها سوف أريهم. لأنّ هذا الرجل يعمل مع مالك السفينة، يطرد العمال من العمل دون أن يرف له جفن، عديم الشرف. لا تخافي، علاقتي جيدة بالقبطان.
في زيارتي الماضية كنا قد وقعنا من السرير!
أرسلي رسالتك على العنوان الموجود في البطاقة المرفقة.
دورسون

الكاتبة ليلى أربيل (أدويت)

17/6/1957
صالحة،

اليوم وصلنا إلى كوتّا. جاء الوكيل لكن ليس هناك رسالة منك أيضاً. ماذا حدث لك؟ كنت قد قلت لك احصلي على العنوان من النشالين في المكتب. من المحتمل أن الملكة لم تطق كتابة سطرين! وجدتِ شخصاً نادراً فاستغلّيه. شجرة خبر في قعر جهنم، وزوج نظيف يصارع في بحار الّرب التنينيّة الهائجة ليحصل على قطعة خبز. مطأطأ الرّأس لقدَره الأسود، محروم من عطايا ربّه، وعلى الرّغم من ذلك تجهز في أيّامه الأخيرة، كصاحب بيت، حديقة، وامرأة، وخاض حربه الإنسانيّة ببسالة، حتى أن الربّ لم يقل له:” خذ يا عبدي “. في الميناء الذي يمر فيه مرة كل ثلاثة شهور إلى خمسة، لا يجد رسالة من زوجته بيد الوكيل، ويعود إلى قمرته تحت المؤخّرة، صامتاً، تعلو وجهه ابتسامةٌ كبرياء، نافضاً عنه ما أصابه من ذلّ، جرّاء مناداة أسماء كل الفريق، واستلام الجميع رسائلهم بالّترتيب ما عداه.
هل تظنّين أن دورسون يهتم لهكذا أمر ويحزن بسببك! هذا عالم كما تدين تدان.

كما تزرعين تحصدين. العين بالعين، والسّن بالسّن.

1. أودعي قسط البيت الشّهري في المصرف.
2. هذه هي الأقساط الأخيرة للبيت، وبعد أشهر قليلة سيصبح صك الملكيّة باسمي.
3. استعلمي من المصرف عن زمن استلام صك الملكية، وأعلميني.
سأسيّج حديقتي بجدار وأدخلها. سأعمل إلى أن أؤمن ثمن الجدار، في سنّي هذا، ما دمت لن أدفع إيجار بيت، يكفيني راتبي التقاعدي ويزيد. سأنتظر يوم موتي معزّياً نفسي، وحيداً، دون زوجة، ولا حتى كلمة مرحباً من أحد، مشغولاً بزراعة الزهور والبذور التي أحضرتها من خلف البحار في حديقتي. كيف حال الجيران والمعارف؟ هل يسأل عني سكّان جنكل كوي؟
4. بمجرّد استلامك راتبي الشهري، أودعي نصفه في المصرف.
5. إيّاك وأن تفكري في شراء معطف، ما تلبسينه يفي بالغرض. أم أنني أستهلك أيامي في هذه البحار اللانهائية من أجل معطفك، وليس من أجل جدار الحديقة؟
6. في رسالتك الأخيرة، الموقّعة في تاريخ (1956) تطلبين مني بلوزةً، بلوزة ماذا؟ لن أشتري لزوجتي التي استكثرت على زوجها ورفيقها رسالة بسطرين بلوزة ولا حتى أي شيء. أنا لا أقطف المال كزهر أقحوان أصفر في حديقة هذا البحر الغدّار شديد الزّرقة.
7. هل بدأوا في تشييد الجدار؟ كيف يسير العمل عليه؟ ما نتيجة المساومة الأخيرة؟ تاريخ الانتهاء؟ أريد إجابات، كلٌ على حدة. لتكن آخر مرّة.
زوجك دورسون قايماق

ملاحظة: قبل قليل جاءني أحد البحّارة برسالتك، وجدها فوق العنبر، ربما سقطت من يد الوكيل. البارحة حدث عصيان في السّفينة، إن قرأته في الجريدة فلا تقلقي، سألخّصه لكِ، عليّ إيصال الرسالة للوكيل بسرعة، لهذا سأختصر. واحد من الطاقم نسميه المعلم محمود، داس على قشر تفاح، ووقع، فكسرت ساقه، على إثر ذلك تجمّع الطاقم وهم اثنان وثلاثون شخصاً، أنا لست واحداً منهم بالطّبع، في سطح السّفينة صارخين: “يوجد في السّفينة تفّاح”. في البداية طالبوا بتفاح لأنفسهم أيضاً، وبعد أن تدخّل مساعد القبطان، طالبوا بقشورها فقط. عندما استفاق القبطان من قيلولة الظهيرة في جناحه بهذا الضجيج، هرع إلى قمرة اللاسلكي وأقفل الباب، وأرسل برقيّة إلى اسطنبول بأن” البحارة سوف يقتلونني”. وبينما كان البحارة يشتكون للقبطان المساعد آخر سنتين لم يأكلوا فيها غير حساء الطّحين، والفاصولياء، والحمّص، خرج المشؤوم “الواطي” وتفاهموا. من الآن فصاعداً سيحصلون مرّة في الأسبوع على قشور التفاح والإجاص النّظيفة المحفوظة في الثّلاجة مقابل أن يعملوا ساعة أكثر، يوميّاً، ليجعلوا السّفينة كالمكشطة. الّلص القوّاد! يقولون إنه اشترى بناءً آخر في باي أوغلو. زوري السّيدة صفيّة وافهمي منها، فهي تعلم، علمت أنها تكلّم زوجة القبطان. افهمي منها وأعلميني. مع أنّه بالنّسبة لي كل شيء على ما يرام. فالعريف في مركز التشغيل يعتبر من فئة الضبّاط، ونحن نحصل على طعام من الفئة الثانية، يعني أننا نأكل خضاراً وفاكهةً مرة في الأسبوع. من حقنا أكثر لكننا نسكت. أرفق لك عناوين الموانئ التي سنمرّ عليها. قبلاتي من عينيكِ.

ملاحظة: عندما أعود، أريد أن نذهب أنا وأنتِ إلى كانليجا، نجلس قبالة الخليج بينما الشمس تغرب، ونأكل صحنين من اللبن.

المزيد للمترجمة

زكام

فرار

20/10/1959

صالحة، لنا خمسة عشر يوماً في تريفاسا ونحن على وشك الغرق. أنا مندهش، كيف تحمّلت هذه السّفينة القحبة هذه العاصفة. الرّياح التي تهب بشدّة عشرة، اقتلعت الدرابزين وجميع أبواب غرفة القيادة الخلفيّة وأخذتها، وأخذت معها البحّار صالح. أربعون عاماً وأنا في البحر، لم أعلق في عاصفةٍ كهذه. لو حدث وغرقنا، ليس لهذا الخراء قعر. عندما أعود سأعطي كيسين من الملح إلى توز بابا، لقد نذرتها، لا يصح ألّا أعطيها. طالت عودتنا مجدّداً، القبطان ابن الستين قوّاد، سيترك السفينة للتصليح في أرهانجيلسك، وليستطيع أن يحصل على أكبر مبلغ من الكومسيون، “سيشط ويمط”، بعدها نحمّل السفينة خشبًا ونعود. هذه الأمور تحتاج شهرين أو شهرين ونصف. هذه هي رحلتي الأخيرة. لو مهما حصل لن أبحر، لقد سئمت.

كنتِ قد كتبتِ أن بناء الجّدار انتهى، وأنكِ صرفتِ عليه خمسة آلاف، سأراه حين أعود، لو أنّك أرسلتِ صورةً له، لكن بقي شهران، إيّاكِ أن تدفعي ثمن صورة بعد الآن. تقولين أنّه بقي معك أربعة آلاف وثلاثمائة، يجب أن يبقى أربعة آلاف وثلاثمائة وخمسون، أم أنّك اشتريتِ معطفاً؟ اكتبي لي كل شيء دون أن تخفي شيئاً. على كل حال سأعلم عندما أعود، خذي حذرك. هذه المرّة نسيت أن آخذ بطاقةً، سأكتب العنوان:
S/S Truc, ybarda Deposites de Aceite Cambustible S.A. Aparado 46. Ceuta- Spain

ملاحظة: أمس تجادلت مع القبطان الجديد، ابن العاهرة يقول لي:” إن لم يعجبك ارحل”. السّاقط بدأ يسرق من مؤونة ضباط السّفينة أيضاً، القبطان السابق كان يسرق أيضاً، لكنه على ما يبدو؛ صاحب السّفينة لم يكتفِ فجاء بلصّ أكبر. القوّاد، ما إن أتى حتّى خفّض كميّة الفاكهة التي نأكلها مرّة في الأسبوع، إلى مرّة في الشّهر. النّاس هنا يفطسون من آلام الغازات. فأرسلت أسأل مساعد القبطان لماذا لا يوجد فاكهة هذا الأسبوع؟ فقال لي: “إن لم يعجبك فارحل” أنا الذي أهدرت أربعين سنة من عمري ليصبح هؤلاء اللصوص أغنياء، بسببكِ. أما الآن عمري ستّون عاماً ويقولون لي ارحل. آه!

إن متُّ دون أن أستطيع فعل شيء بهؤلاء الفاسقين، سأموت مفتوح العينين وفي قلبي غصّة. لم أستطع فعل شيء، تأخّرت!،، وقتها عندما كنت شابّاً كان يجب علي ألا أسمع كلامك، الآن بعد هذا العمر وبينما ينتظرني بيت، وحديقة محاطة بجدار، لن أتصارع مع هؤلاء، وأغوص في البلاء. لكن لن يترك الرّب حقنا يضيع، سيأخذه من هؤلاء العاهرين. ستكون يدايّ وأصابعي الإحدى عشرة على رقبتهم في الآخرة، وعلى رقبتك أنت أيضاً، لأنّك لم تدعيني عليهم، وقتها.
دورسون قايماق


نور عبدالله، مترجمة سورية، تقيم في إسطنبول

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.