الديكتاتورية كثقافة يومية.. التعاون والاتكال الاجتماعي

أضحى السلوك الديكتاتوري ثقافة يومية قائمة رغم ما يتوضح أنه غير موجود من خلال حرية العلاقات وآليات الاختيار، وفي أحسن الأحوال يمكن لشخص شعر بأن آخر يمارس نوع من الديكتاتورية اتجاهه أن يرحل دون عودة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

لم يعد مصطلح ديكتاتورية يشمل فقط معناه الأكاديمي السياسي أو تجسيده السلوكي في طريقة حكم معين، إنما اتجه كلياً إلى مجموعة من الأشكال الإنسانية التي تُمارس يومياً تحت مسمّى شكل العالم الحالي، الفرز الاجتماعي، الثقافة الليبرالية، الذكاء والتطور.

مثلاً لا يمكن فهم امرأة في مستوى اقتصادي معين، تخرج من منزلها وتتقبل نفسياً أن تذهب إلى مكان لتجمّل أصابع قدميها، أو ما يُطلق عليه اسم الـ “بودي كير”؛ كيف يمكن لشخص أن يقبل بأن يمد رجليه ليقوم شخص آخر – بحاجة للعمل والمال – بتنظيف قدميّ ذلك الشخص الذي يظن بنفسه أنه مميز وأكثر ثراء أو أكثر أنوثة، أليست هذه المرأة هي أسوأ من أسوأ من أسوأ ديكتاتور قد مرّ على هذا الكوكب؟. والمشكلة الأعمق أن تلك المرأة تتعامل مع الأمر على أنه حقيقة مسلّم بها.

وهنا لا أتحدث عن العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية، إني أعي كلياً أن الفوارق الاقتصادية والاجتماعية هي أمر واقع ولن يتغير، لكني أتحدث عن تلك الثقافة البلهاء التي يقبل فيها شخص حتى وإن كان يعتبر نفسه مميزاً، رغم أنه أخرق لا مميز فيه سوى ما يظنه بنفسه، كيف يقبل على نفسه أن يمارس مثل ذلك السلوك الرديء في حق إنسان آخر.

النقطة الأساسية التي تطورت في وعي البشر حول هذا الأمر في الخلط بين المساعدة والاتكال الكلي الذي يتضخم ليتحول إلى استغلال وديكتاتورية غير واعية، هي ناتجة عن مفاهيم العلاقات التشاركية أو التعاون بين الناس التي طُرحت في النظريات الاشتراكية.

أن تقبل بأن ينظّف لك قدميك شخص آخر – حتى وإن تم اعتبار الموضوع عملاً – فهذه بحد ذاتها وضاعة ثقافية وفكرية في داخلك وتدلل على مستوى وعيك المساوي للصفر تماماً، إنه الغباء والجهل بأبهى حلة عزيزي وعزيزتي الكيوت. حالة من الشعور بالتفوّق والتحكّم بمصير البشر واستغلال حاجاتهم وعواطفهم بشكل غير مباشر كلياً، إنه إحساس ضمني بالتميّز على حاجة الإنسان الآخر تماماً مثل شعور الديكتاتور عندما يتعامل مع شعبه على أنّ مهمتهم هي خدمته الجليلة.

طبعاً مثال الـ “بودي كير” هو جزء من مجموعة أخرى وكثيرة من سلوكيات الديكتاتورية غير الواعية الموجودة في ثقافة شعوب العالم الذي نعيشه اليوم.

إنه نموذج للاستيلاب الطوعي؛ فأن يقوم آخر بخدمتك لشيء تستطيع أنت أن تقوم به بنفسك، ليس فقط استغلال للآخر إنما هو تعامل اتجاه نفسك بأنك كائن هش ومريض روحياً، وهنا نتحدث عن سلوك عام وليس العلاقات التي تقوم على التبادل في المساعدة عندما يحتاج أحد المساعدة فعلياً، كشخص كسيح أو عاجز أو مصاب بشلل، فهذه أمور أخرى.

النقطة الأساسية التي تطورت في وعي البشر حول هذا الأمر في الخلط بين المساعدة والاتكال الكلي الذي يتضخم ليتحول إلى استغلال وديكتاتورية غير واعية، هي ناتجة عن مفاهيم العلاقات التشاركية أو التعاون بين الناس التي طُرحت في النظريات الاشتراكية.

إن عملية فرض التعاون بين البشر من خلال بعض السلطات ذات التوجه الفكري والسياسي والفلسفي أو حتى بعض التشريعات ذات المعنى الديني التي تقوم على هذه التشاركية الاجتماعية، خلقت لدى البشر بأسرهم حالة من الاتكالية وراء مسمّى الاختيار البشري؛ وهذه الاتكالية قد تصل إلى مستوى الديكتاتورية النفسية الذاتية إن كان الآخر ضعيفاً قليلاً، أو يعيش حالة احتياج اقتصادي أو معرفي أو جنسي.. الخ، كما في مثال المرأة التي تجمّل أصابع قدميها لدى فتاة بحاجة للعمل؛ أو رجل لأنه قوّام دينياً، ويتخذ من التشريع فعل الإمتاع في الكائن الأضعف دينياً، أن يقوم بالتسلّط الذكوري وتحويل المرأة إلى كيان خادم لحضوره. أو أنثى تمارس فعل الإغواء لاستغلال اقتصادي، بطريقة أو أخرى جميع هذه الأشياء هي سلوكيات تفوقيّة موصومة بالبُعد الديكتاتوري، وهي قطعاً صفات وسلوكيات نتاج بشري بحت، وليست سلوكيات طبيعية.

إننا أشخاص نتبجّح بالحرية والاحترام، لكن في الجوهر نحن أشخاص قمعيون وعنيفون، يكفي أن تشعر بالإزعاج من أي نقد قد يوجه لك أو مخالفة لوجهة نظرك وتشغلك طويلاً بالتفكير، كي تعلم تماماً كيف أنك في العمق شخص يحمل ثقافته الديكتاتورية.

لقد أضحى السلوك الديكتاتوري ثقافة يومية قائمة رغم ما يتوضح أنه غير موجود من خلال حرية العلاقات وآليات الاختيار، وفي أحسن الأحوال يمكن لشخص شعر بأن آخر يمارس نوع من الديكتاتورية اتجاهه أن يرحل دون عودة، لكن هذا الخيار ليس سوى نبذ غير مباشر من القطيع الاجتماعي رغم أنه اختيار شخصي.

إننا أشخاص نتبجّح بالحرية والاحترام، لكن في الجوهر نحن أشخاص قمعيون وعنيفون، يكفي أن تشعر بالإزعاج من أي نقد قد يوجه لك أو مخالفة لوجهة نظرك وتشغلك طويلاً بالتفكير، كي تعلم تماماً كيف أنك في العمق شخص يحمل ثقافته الديكتاتورية ويتبجّح بالرأي المغاير من الحريات.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.