الدولة المسلمة دولة مدنية – خالد أحمد الشــنتوت

إن الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

 

فقد كثر الكلام عن الدولة المسلمة ، لأننا نقترب منها بإذن الله عزوجل ([1])، ويتخوف كثير من العلمانيين ، والليبراليين ، وغير المسلمين ، من الدولة المسلمة ، لأن مجرد تسميتها بهذا الاسم ، يعتبرونها دولة دينيـة ( ثيوقراطية ) ويتخوفون منها ، ويعرقلون قيامها .وقد اضطر بعض الدعاة أخيراً إلى استخدام مصطلح الدولة الحديثة بدلاً من الدولة المسلمة ، فثار عليهم بعض إخوانهم ، وقالوا : لماذا تسمونها الدولة الحديثة !!؟ ولماذا تهربون من تسميتها بالدولة المسلمة ، فأجاب الأخوة : إن مصطلح الدولة المسلمة مخيف لدى كثير من الناس ، لأنهم لايعرفون حقيقة الإسلام ، ولايعرفون حقيقة الدولة المسلمة ، ويتوهمون أن الدولة المسلمة مهمتها الأولى والأخيرة تطبيق الحدود كقطع الرقاب وقطع أيدي اللصوص ورجم الزناة المحصنين ، ورمي كل مخالف لها بالردة والزندقة ومن ثم إقامة حـد الردة عليه ، ويتذكرون دولة الكنيسة في أوربا الوسطى التي كانت تدعي أنها وكيلة عن الله ، وأنها تحكم باسم الله ، لذلك أحرقت العلماء والمفكرين وكل من خالفها ..

فماهي الدولة المسلمة ؟ وكيف تكون مدنية ؟ وليست دينية !؟

1 ـ الدولة الدينيـة ( الثيوقراطية ) : ويقصد بها الدولة التي تحكم باسم الإلـه ، وتجعل نفسـها وكيلة عن الله عزوجل ، وفي هذه الحالة لايجوز مراجعتها ، ولامناقشتها ، أو محاسبتها ، ناهيك عن إقالتها واستبدالها بغيرها . يقول الدكتور صلاح الصاوي : ( الثيوقراطية هي ذلك النظام من الحكم الذي يجعل من الدين والتفويض الإلهي مصدراً للسلطة السياسية ، ويدعي القائمون عليه أنهم مفوضون عن الله ، وأنهم ناطقون باسم السماء ،… ويجب الإذعان لجميع قراراتهم والرضا بها دون مراجعة أو اعتراض لأن الاعتراض عليها يكون اعتراضاً على الله الذي يتحدثون باسمه وهم وكلاؤه على الناس … وقد عرفت أوربا هذا اللون من الحكم في عصورها الوسطى ، بناء على الكلمة المأثورة لديهم والتي ينسبونها إلى السيد المسيح عليه السلام ( ماتحلونه في الأرض يكون محلولاًفي السماء ، وما تربطونه في الأرض يكون مربوطاً في السماء ) ولهذا يملك الأحبار والرهبان حق النسخ والتحليل والتحريم من دون الله ، وقد شنع القرآن عليهم ذلك في قوله تعالى { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ….}ـ التوبة 31 ـ

 

2 ـ مبدأ الحاكميـة :

يرى الخائفون من الدولة المسلمة من العلمانيين والليبراليين وغير المسلمين أن الجماعات الإسلامية كلها تتمحور حول فكرة الحاكمية ، حتى أصبحت أهم المنطلقات الفكرية عند التيار الإسلامي المعاصر . ألا تعني الحاكمية أن الحكم لايكون إلا لله ، ولايمارس إلا باسمه وحده ، الأمر الذي لايأتي إلا بدولة دينية ، ولايتمخض إلا عن طغيان يمارس باسم الدين ، وكهنوت يفرض وصايته باسم الشريعة على عامة المواطنين ؟

ويرد الدكتور صلاح الصاوي على هذا الخلط والالتباس فيقول جزاه الله خيراً : ( ولعل منشأ هذه الشبهة هو الخلط بين مصدر السلطة السياسية ، وبين مصدر النظام القانوني ، فالسلطة في الإسلام مصدرها الأمــة ، والنظام القانوني مصدره الشـارع ، وهذا المصدر الرباني للنظام القانوني لايضفي أي قداسـة على النظام السياسي ، ولايعني بالضرورة أن السلطة السياسية تستمد شرعيتها من الحق الإلهي ، بل على النقيض من ذلك فإنه يمثل ضمانة تحول دون طغيان السلطة السياسية ، لأن هذا النظام القانوني يخاطب الحاكم كما يخاطب المحكومين ، ويخضع لـه الجميع حكاماً ورعيـة على السـواء ، ولاسبيل إلى تغييره أو العبث بـه باصطناع أغلبية مأجـورة تتبنى أهواء الحاكم داخل المجالس التشريعية ، كما هو الحال في كثير من الأنظمة الوضعية )([2]) .

 

3 ـ الحاكم المسلم يخضع للشرع مثل أي مواطن :

ومما يؤكد أن الدولة المسلمة دولة مدنية ، أن الحاكم يخضع تماماً للشرع مثل أي مواطن ، ولايتميز عنه بشيء ، وهذا سـر عظمة الإسلام كما يتبين من الأمثلة التاريخية التالية :

أ ـ في غزوة بـدر كان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل صفوف أصحابه ، وفي يـده قـدح ( سهم ) يعدل به القوم ، فمر بسـواد بن غزيـة وكان خارج الصف ، فطعن في بطنه بالقدح ، وقال : استو يا سواد فقال : يارسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل ، قال : فأقدنـي ( أي أقتص منك ) ، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنـه ، وقال : اسـتقد ، فاعتنقه فقبل بطنـه ([3]).

ب ـ قال العتبي : بعث إلى عمر بحلل فقسمها فأصاب كل رجل ثوب فصعد ( عمر ) المنبر وعليه حلـة ، والحلة ثوبان ، فقال : أيها الناس ألا تسمعون ؟ فقال سلمان : لانســمع . قال (عمر ) ولم يا أباعبد الله ؟ قال : لأنك قسمت علينا ثوباً ثوباُ وعليك حلة . قال عمر : لاتعجل يا أبا عبد الله . ثم نادى : يا عبدالله ، فلم يجبه أحد ، فقال : يا عبدالله بن عمر ، قال : لبيك أمير المؤمنين . قال عمر : نشـدتك بالله ، الثوب الذي اتزرت به هو ثوبك ؟ قال : اللهم نعم . فقال سلمان رضي الله عنه : أما الآن فقل نســمع ـ كتاب عيون الأخبار (1/55) ـ.

ج ـ وكان القصاص من الحاكم أمراً عادياً ، وكتب التاريخ تروي لنا الكثير وهذه منها : ذكر ابن الجوزي أن عمرو بن العاص قال لرجل من المسلمين كان معه بمصر : يامنافق ، فشكاه إلى عمر بن الخطاب فكتب أمير المؤمنين إلى والي مصر يقول له : أما بعد فإن فلاناُ ذكر أنك نفقتـه ، وإني أمرته إن أقام عليك شاهدين أن يضربك أربعين ، فقام الرجل فقال أنشد الله رجلاً سمع عمروا نفقني إلا قام ، فقام عامة أهل المسجد ( يشهدون ضد الحاكم ([4])) فقال له حشم عمرو : أتريد أن تضرب الأمير ؟ قال : وعرض عليه الأرش ( فدية مال ) فرفض ، فقال عمرو : اتركوه وأمكنه من السوط وجلس بين يديه ، فقال الرجل : أتقدر أن تمنع مني لسلطانك ؟ قال عمرو : لا ، فقال الرجل : فامض لما أمرت به فإني أدعـك للـه ) . ( مناقب عمر لابن الجوزي ص 66) .

د ـ القضاة يحكمون على الخلفاء : روى البيهقي أنه كان بين عمر بن الخطاب وأبي ابن كعب رضي الله عنهما خصومة في حائط ، فقال عمر : بيني وبينك زيد بن ثابت ، فأتياه في منزله ، فلما دخلا عليه قال له عمر : جئناك لتقضي بيننا ، وفي بيته يؤتى الحكم . فتنحى له زيد عن صدر فراشه ، فقال عمر : جرت يا زيد في أول قضائك ، ولكن أجلسني مع خصمي ، فجلسا بين يديه ، فادعى أبيّ وأنكر عمر ، وحكم زيد على عمر باليمين فحلف عمر رضي الله عنه ([5]).

بيان الخليفـة الأول

وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، يلقي بيان الحكومة الذي يبين سياسة الدولة المسلمة ، وموقفها من المواطنين فيقول في المسجد : ( أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني …… أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، … ([6]) ) ، ويروى أن عمر رضي الله عنه كرر هذا البيان عندما بايعه المسلمون أميراً عليهم ، فيقف أحد المسلمين مستلاً سيفه ويقول : والله لو رأينا فيك اعوجاحاً لقومناه بسيوفنا ، فيقول عمر : الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقوم اعوجاحه بسيفه .

وفي كتب التاريخ أمثلة كثيرة جداً تبين أن الحاكم المسلم كان فرداً من المسلمين ، له ما لهم ، وعليه ماعليهم ، ولم يكن له أي صفة من القداسـة ، بل كان المسلمون يراجعونه في كثير من الأحيان ، لقناعتهم أنه بشر مثلهم يصيب ويخطئ ، وأنه محكوم بالشرع ، الذي إن دلوه عليه عاد والتزم بـه حالاً .

فهذا الفاروق عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه يروي عنه العقد الفريد : ( خرج عمر بن الخطاب من المسجد والجارود العبدي معه ، فبينما هما خارجان إذ بامرأة على ظهر الطريق ، فسلم عليها عمر فردت عليه السلام ثم قالت : رويدك ياعمر حتى أكلمك كلمات قليلة . قال لها : قولي . قالت : ياعمر ! عهدي بك وأنت تسمى عميراً في سوق عكاظ تصارع الفتيان ، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت امير المؤمنين ، فاتق الله في الرعية ، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت ، فقال الجارود : هيه قد اجترأتِ على أمير المؤمنين . فقال عمر : دعها ، أما تعرف هذه ياجارود ؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سمائه ، فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها([7]).

وقال حذيفة : دخلت على عمر فرأيته مهموماً حزيناً . فقلت له : مايهمك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إني اخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد منكم تعظيماً لي . فقال حذيفة : والله لو رايناك خرجت عن الحق لنهيناك . ففرح عمر وقال : الحمد لله الذي جعل لي اصحاباً يقوموني إذا اعوججت ( الطنطاوي 358) .

وروي أنه قال يوماً على المنبر : يامعشر المسلمين ، ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا كذا ( وميل برأسه ) . فقام إليه رجل فقال : كنا نقول بالسيف كذا ( وأشار إلى القطع ) . فقال : إياي تعني بقولك ؟ قال : نعم إياك أعني بقولي . فقال عمر : رحمك الله ، الحمد لله الذي جعل في رعيتي من إذا تعوجت قومني . ( المرجع السابق ) .

ولم يكن ذلك محصوراً في الخلفاء الراشدين ، بل امتد فترة طويلة ، وكان من صفات الحاكم المسلم ، خضوعه لشرع الله ، وامتثاله للنصيحة من المسلمين ، فقد وقف معاوية رضي الله عنه يوماً على المنبر يقول : اسمعوا واطيعوا ، فقام مسلم الخولاني فقال : لاسمع ولاطاعة ، كيف تمنع العطاء ؟ وإنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ، ولا من كد أمك ، فغضب معاوية ونزل عن المنبر ، ثم غاب برهة ثم عاد وقد اغتسل ثم قال : إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : [ إن الغضب من الشيطان ، وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء ، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ] ([8]). وإني دخلت فاغتسلت ، وصدق أبو مسلم ، إنه ليس من كدي ، ولا من كد أبي ، فهلموا إلى عطائكم .

وحج أبو جعفر المنصور ، فطلب سفيان الثوري فجاءه ، فقال له سفيان : كم أنفقت في سفرك ؟ قال : لا أدري ، لي أمناء ووكلاء ، فقال سفيان ك فما عذرك غداً !؟ إذا وقفت بين يدي الله تعالى !!!؟ فسألك عن ذلك ؟ لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لما رجع قال لغلامه : كم أنفقت في سفرنا هذا ؟ قال : ثمانية عشر ديناراً ، فقال عمر : ويحك !! أجحفنا بيت مال المسلمين ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ رب متخوص في مال الله فيما شاءت نفسه له النار غداً ] فيقول أحد متزلفي الحاشية : أمير المؤمنين يستقبل بهذا !!؟ فأجابه سفيان : اسكت ، إنما أهلك فرعون هامان ( البدري ، 73) .

وفي كتاب الشيخ عبد العزيز البدري يرحمه الله ( العلماء والحكام ) أمثلة كثيرة من هذا القبيل ، تبين مدى خضوع الحاكم المسلم للنصيحة ، واستماعه للعلماء ، واحترامهم ، والرجوع عن بعض قراراته عندما يسمع كلامهم .

الدولـة المسلمة في المشروع الحضاري الإسلامي

يستخدم المشروع الحضاري الإسلامي مصطلح الدولة الحديثة بدلاً من الدولة المسلمة ، وقد عرفوا الدولة الحديثة بأنها الدولة المسلمة ، وذلك لعلمهم أن الناس يخافون من مصطلح الدولة المسلمة لما أسلفنا . وهذه شذرات مما جاء في المشروع الحضاري :


مرتكزات الدولة الحديثة

تقوم الدولة الحديثة، التي نتبناها وندعو إليها، على جملة من المرتكزات، نعتبرها الأساس الركين لبناء دولة قادرة على القيام بأعباء أي مشروع حضاري، تسعى الأمة إلى تحقيقه في مسيرتها الوطنية والقومية والإنسانية.

 

مفهوم الدولة الإسلامية

الدولة الإسلامية هي ما نطلق عليه الدولة (الحديثة) بالصيغة التي نقدمها في مشروعنا هذا، وليست بالدولة (الثيوقراطية) ولا هي بالدولة (العلمانية).

بين الدولـة الإسـلامية والدولـة الدينـية ([9]):

إن الإسلام لم يقرر مصدراً غيبياً (للسلطة) يولد مع الحاكم. بل حارب (أدعياء الألوهية والربوبية) بكل أشكالها وأنماطها، وقرر المساواة بين بني البشر([10]) فهناك خالق (هو رب العالمين) وهناك مخلوق هم البشر أجمعون. وأسقط كل دعاوى التكريم على أساس النسب (يا فاطمة بنت محمد اشتري نفسك لا أغني عنك من الله شيئاً) فلا قداسة لحاكم بحكم مولده، أو نسبه.

وكذلك فقد أبطل الإسلام كل دعاوى (العصمة) التي يتذرع بها حكامٌ ادعوا في يوم من الأيام أنهم مقدسون أو ملهمون، والعصمة في التصور الإسلامي، وقف على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه تبارك وتعالى، ولم ينشئ في بنيانه أبداً ما يعرف بالمؤسسة الدينية، لا في صورة فرد، ولا طبقة، ولا مؤسسة : (كالبراهمة) مثلاً عند الهنود (والأحبار) عند اليهود و(الاكليروس) عند النصارى لأن العلاقة بين (الرب) و(العبد) في الإسلام علاقة مفتوحة بلا وسطاء (إياك نعبد وإياك نستعين)، (قل آمنت بالله ثم استقم).ـ رواه مسلم ـ

وقرر الإسلام أن العقود الشرعية العامة والخاصة هي عقود مدنية كذلك.

ففي منظومة الضوابط الشرعية يبقى (العقد شريعة المتعاقدين) حسب ما تقرره اليوم أرقى الشرائع المدنية. (والمسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً([11])) ويبقى الوفاء بالعقود، واجباً شرعياً ومدنياً (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ـ المائدة : 1 ـ.

والفارق الأهم بين الدولة الإسلامية والدولة (الثيوقراطية) هو أن مصدر الولايات جميعاً في الدولة الإسلامية إنما هو الأمة. (ولقد أجمع مجتهدو الفرق الإسلامية كافة، ماعدا الشيعة، أن مصدر الولايات هو الاختيار القائم على الرضى المتبادل بين أهل الحل والعقد وبين الإمام الذي يقع عليه الاختيار.). ومصطلح أهل الحل والعقد هو التعبير الإسلامي عن الآلية المعبرة عن إرادة الأمة والتي يكون لها في كل عصر صورتها المؤدية للغرض منها.

فالامة هي مصدر الولايات، وخيار الأمة وبيعتها هي التي تمنح الحاكم أو صاحب الولاية حقه في السمع والطاعة. أي تمنحه السلطة. والسمع والطاعة للحاكم في التصور الإسلامي حق ذو وجهين مدني يستمد من العاقد ما وفّى المعقود له بالعقد، وشرعي ينبع من طاعة الله سبحانه الذي فرض على المؤمنين الوفاء بالعقود (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) ـ المائدة :1 ـ ولذلك يبقى حق السمع والطاعة مرتبطاً بموضوع العقد وشروطه الأساسية (إنما الطاعة في المعروف([12]) (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ([13]) أي خارج إطار العقد المتفق عليه بين الحاكم والمحكوم.
والخلاصة: إن الدولـة الإسـلامية دولـة مدنيـة تتميز بمرجعيتها الإسلامية المتفتحة.

وتبقى الأمة المنشئة للعقد ابتداءً هي المشرفة عليه، والرقيبة على وفاء الإمام بالتزاماته ومحاسبته، وهي بالتالي تملك الحق في (خلعه) أو (عزله) أو (إقالته) حسب مصطلح كل عصر إذا لم يقم بما اُنيط به من مهام حسب شروط العقد.

ومما يؤكد أن الدولة المسلمة دولة مدنية ؛ إقرار التعددية السياسية ، القائمة على الحياة الحزبية المعتمدة على البرامج السياسية المختلفة وفي ظلال المرجعية العامة للدولة التي تقدمنا بها والتي ستجعل من التداولية الثمرة الطبيعية لكل أشكال النشاط: السياسي أو المدني.

من (التداول) اشتقت العرب لفظ (الدولة) وقالت (الأيام دول). وفي الكتاب العزيز (وتلك الأيام نداولها بين الناس) ـ آل عمران ـ 14ـ.

والتداولية، في بعدها الأول هي المقابل الموضوعي التاريخي لحالة (الملك العضوض) الذي جاء بعد الخلافة الراشدة على أساس التعيين (ولاية العهد)، للابن أو الأخ بدلاً من اختيار الأمة!

والتداولية في بعدها الثاني هي المقابل الموضوعي أيضاً لحاكم يقوم على أمر الأمة مدى الحياة، أحسن أو أساء، نجح أو أخفق، على النقيض من الأساس الإسلامي الخالد: (إن أحسنت فأعينوني، أو أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم)، وللأمة كامل الحق مع حاكمها، أن توليه لفترة معينة، والمسلمون على شروطهم.

والتداولية في بعدها الثالث هي رفض لمناهج فرضت نفسها بالقوة (الجبرية) على الأمة، وأعلنت وصايتها عليها تحت شعارات العلمانية أو شعار الحزب القائد. إنه لا بد من كسر طرف حلقة الجمود الآسن، ولا بد من التحرر من كل أشكال الوصاية البشرية حيث (يتأله الإنسان على الإنسان)، كما قال ربعي رضي الله عنه: (جئنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله).

فالتداولية التي ندعو إليها، هي تداولية المناهج والبرامج والرؤى والاجتهادات في إطار المرجعية العامة للأمة.

والتداولية في بعدها الرابع هي التداولية بين القوى والأحزاب السياسية، التي يتم دعمها من الإرادة الوطنية العامة، عبر صناديق الاقتراع الحر والنـزيه، وعلى أساس البرامج والشخصيات العامة التي تتقدم بها لجماهير الأمة.

والتدوالية في بعدها الخامس هي صفـة للدولة المدنية ، تبعدها عن الدولة الثيوقراطية ، ومن واجب كل فئة من المواطنين ، أن يقوموا بهذه الدولة ، ماداموا يلتزمون بالقانون والمرجعية . وعندما يتم التعاقد بينهم وبين ممثلي الأمـة الشرعيين

الخلاصـة : الحكومة المسلمة مجموعة من الموظفين يتعاقد معهم أهل الحل والعقد ، على رياسة الأمة ، وتسيير أمورها حسب صيغة متفق عليها بين الطرفين المتعاقدين ، وأهل الحل والعقد ، يراقبون الحكومة التي تعاقدوا معها في أعمالها ، ويسددونها وينصحونها ، وفقاً للوائح العقد وشروطه ، وإذا خالفت شروط العقد يعزلونها . أو كما نقول اليوم ( يسقطونها ) . لأنها حكومة مدنية ، وموظفيها أنا س عاديون ليست لهم صفة القداسـة ، ولا أي صفة تميزهم عن سائر المواطنين .

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.