الدور الجهادي للمرأة في تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية”

خص أسامة بن لادن النسوة في وصيته مطالباً أن يكنّ “مدرسة لتخريج الرجال والمجاهدين في سبيل الله”، ومثله فعل أيمن الظواهري حين قال “ليس في جماعة (قاعدة الجهاد) نساءٌ، ولكن نساء المجاهدين يقمن بدور بطولي في رعاية بيوتهم وأبنائهم في شدة الهجرة والتنقل والرباط”.

الأيام السورية؛ محمد نور الدين الحمود

نحاول في هذا الاستعراض، قراءة مسار ولادة مفهوم “النسوية الجهادية”، وما رافقه من تطورات منذ نشأته لأول مرة عام 1924.

واستندنا في هذا الاستعراض على كتاب “عاشقات الشهادة.. تشكّلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى تنظيم الدولة” للكاتبين الأردنيين محمد أبو رمان، وحسن أبو هنيّة الصادر عن مؤسسة “فريدريش إيبرت” عام 2017.

يقتفي هذا البحث المرجعي الأسباب الكامنة وراء تحول النسوة للسلفية الجهادية، التي بدأت أولى ظواهرها بشكل فعلي مع بروز المرحلة الجهادية الأفغانية لتطور لاحقاً وفق رؤية أبي مصعب الزرقاوي الذي دعا النسوة للمشاركة في العمليات الانتحارية، وصولاَ إلى ظاهرة السفر إلى مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بداعي “الهجرة إلى أرض الخلافة”.

الدور الجهادي للمرأة في تنظيم القاعدة

يمثل مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن (1957 – 2011) أكثر النماذج التي التزمت بالنصوص الفقهية لمنظري الحركات الجهادية السابقين بزواجه من خمسة نسوة، وعقد قران بناته على قيادات من تنظيم القاعدة، كما كان في نفس الوقت “متحفظاً على استدخال المرأة” التي غابت عن كافة خطاباته، لكنه خص النسوة في وصيته مطالباً أن يكنّ “مدرسة لتخريج الرجال والمجاهدين في سبيل الله”، وسار أيمن الظواهري الزعيم الحالي للقاعدة على نهج بن لادن في نظرته لدور المرأة الجهادي، بقوله ذلك بصورة قاطعة “ليس في جماعة (قاعدة الجهاد) نساءٌ، ولكن نساء المجاهدين يقمن بدور بطولي في رعاية بيوتهم وأبنائهم في شدة الهجرة والتنقل والرباط”.

مقاتلات أوربيات في صفوف التنظيمات الاسلامية في سوريا (CNN)

وفي عام 2009 نشرت مؤسسة “السحاب” الذراع الإعلامي لتنظيم القاعدة كلمة بعنوان “رسالة إلى الأخوات المسلمات” لزوجة الظواهري، أميمة حسن، لم تخرج فيها عن الخط الذي رسمه بن لادن ومن بعده الظواهري للنسوية الجهادية، معيدةً التأكيد على أهمية دور المرأة في المنزل لتربية الأولاد، وعملها في مساعدة أسر الجرحى والأسرى، محذرةً من أن طريق للقتال “ليس سهلاً بالنسبة للمرأة، فهو يحتاج إلى محرم، لأن المرأة يجب أن يكون معها محرم في ذهابها وإيابها”، إلا أن المناطق التي كانت تتواجد فيها تنظيمات جهادية تخضع لاحتلال أجنبي مباشر لم تتأثر كثيراً الأمر الذي دفع فروع القاعدة الإقليمية للتأثر بها مثل الشيشان والعراق، ويرى المؤلفان أنه “كان تأثير قائد المجاهدين العرب في الشيشان (خطاب سامر سويلم) والمسؤول الشرعي أبو عمر السيف واضحاً في استدخال المرأة في الجهاد”، وقد كان أبي مصعب الزرقاوي (1966 – 2066) مؤسس تنظيم “التوحيد والجهاد” في العراق، ويوسف العييري (1974 – 2003) مؤسس تنظيم القاعدة في السعودية متأثران بأفكار القياديين الشيشانيين أكثر من بن لادن والظواهري فيما يخص المرأة تحديداً، وسجل ظهور أول صحيفة نسائية جهادية “الخنساء” في زمن فرع القاعدة السعودي.

دور المرأة في تنظيم الدولة الإسلامية

عمل الزرقاوي بعد تأسيسه لتنظيم “التوحيد والجهاد” على دمج المرأة في الأعمال القتالية وغير القتالية داخل تنظيم الدولة الإسلامية، حيث “شكلت الإيديولوجية الوهابية والتجربة الجهادية الشيشانية خيطاً ناظماً” لتصوراته، غير أن الدور النسائي في جماعة الزرقاوي لم يبرز قبل نهاية عام 2004 عندما أعلن رسمياً استهداف شيعة العراق لأسباب طائفية الأمر الذي دفع إلى “استدخال المرأة في صفوف قاعدة العراق على خلفية تصاعد الطائفية والحرب الأهلية في ظل الاحتلال الأمريكي وتنامي اعتقال نساء السنة مع صدور قانون الإرهاب”، حيث أكد تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش تعرض أكثر من مائة امرأة محتجزة للتعذيب والاغتصاب.

ومثل الزرقاوي تغيراً جذرياً لموقف تنظيم القاعدة من المرأة، عندما حمّل في كلمة له عام 2005 “النساء مسؤولية مباشرة وطالبهنّ القيام بأدوار لوجستية متعددة، ومهّد لبداية إشراك المرأة في الأعمال القتالية والانتحارية”، الذي يعتبره الكاتبان بأنه عبر هذا الخطاب دشن “استدخال المرأة في هياكل الجهادية العالمية”، مؤسساً في الوقت عينه “لنموذج (المرأة الاستشهادية) في مقابل (الرجل المتخاذل)”، واستطاع بذلك استثمار الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في السجون العراقية داخل “مجتمعات دينية محافظة”، وقد تحقق بالفعل ما كان يرمي إليه الزرقاوي في كلمته بعد أن ارتفعت نسبة المتطوعين العرب والأجانب من الرجال والنساء في صفوف تنظيمه.

مقاتلات في صفوف داعش (أتيسيا)

وبعد خطاب الزرقاوي الذي حض فيه النسوة على الجهاد، دشن التنظيم في تشرين الأول/ أكتوبر 2005 أول عمليتين انتحاريتين تنفذهنّ اثنتان من النسوة بشكل منفصل في مكانين مختلفين، الأولى نفذتها البلجيكية موريل ديغوك (1967 – 2005) عندما فجرت نفسها بدورية أمريكية راجلة في مدينة “بعقوبة” العراقية، والثانية نفذتها العراقية ساجدة الريشاوي (1970 – 2015) في العاصمة الأردنية عمان، وتمكنت السلطات الأردنية من اعتقالها لعد انفجار حزامها الناسف ونفذت فيها حكم الإعدام عام 2015. وفي عام 2007 أعلن عن تشكيل أول كتيبة نسائية لفرع القاعدة العراقي عرفت باسم “كتيبة الخنساء” مكونة من 26 انتحارية أغلبهنّ من أقارب عناصر تنظيم القاعدة.

تدريبات لكتيبة الخنساء النسائية(صوت وصورة)

وفي منتصف عام 2008 تشكلت ثاني كتيبة نسائية شمال العراق على يد أم سلمة المعروفة باسم أميرة سرية “ذات النطاقين الاستشهادية”، ويعتقد أنها زوجة أبو عبيدة الراوي القيادي في تنظيم القاعدة شمال العراق، وعلى عكس الأولى الكتيبة التي التزمت الصمت، عملت الثانية على إصدار البيانات متوعدة بـ”انتقام تصبه عشرات من نساء الفلوجة وبغداد وديالى وثكالى وأرامل الموصل”، وكانت أول كتيبة نسائية تظهر بشكل علني على الساحة الجهادية.

وعندما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية ما يعرف باسم “دولة الخلافة الإسلامية” في العراق وسوريا ظهرت أدوار محدودة للمرأة في العمليات الانتحارية في مناطق نفوذه، لكن ذلك لم يمنع من تصاعد دورها في مجالات (الشرطة، الحسبة، الدعاية، التعليم، والصحة)، كما أنه سجلت مشاركة “النساء في عمليات انتحارية من بعض فروع التنظيم الخارجية التي أطلق عليها (ولايات الخلافة)، وخصوصاً ولاية غرب إفريقيا في نيجيريا وولاية طرابلس في ليبيا”، فضلًا عن ظهور الانتحاريات ضمن خلايا التنظيم، وتنفيذها هجمات على غرار تلك التي عرفت في أوروبا باسم “الذئاب المنفردة”.

إقرأ المزيد:

تأسيس النسوية الجهادية وموقف التيار الإسلامي من النشاط الجهادي للمرأة

الصراع بين مافيا الدولة ودولة المافيا في سوريا.. أين المواطن من كل ذلك

درعا.. استمرار الوضع المتوتر بين الأهالي وقوات النظام

مصدر كتاب “عاشقات الشهادة.. تشكّلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى تنظيم الدولة” للكاتبين الأردنيين محمد أبو رمان، وحسن أبو هنيّة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.