الدلعونا

أشكال الأغنية الشعبية في سوريا (10)

الأيام السورية؛ سلام محمد

تعد الأغنية الشعبية قصيدة غنائية، يتداولها الناس في الوسط الشعبي، ويتوارثونها في مناسباتهم الاجتماعية.

وتأخذ الأغنية الشعبية لونها الخاص، بحسب المنطقة التي تظهر فيها، لكنها تنتقل، كما كل التراث الشفوي، من مكان إلى آخر، فيضيف الموقع الجديد نكهته الخاصة عليها، ولكن البنية الأساسية تبقى هي المسيطرة، وذلك على مرّ الأزمان.

والأغاني الشعبية وثائق اجتماعية على قدر كبير من الأهمية، لأنها تصور عادات الناس وتقاليدهم في المناسبات، فرحاً أو حزناً، كما تقوم بدورها الفني والجمالي في حياة المجتمع.
ويعكس الإرث الموسيقي لسوريا تاريخا حيا، وثقافات متنوعة تتجاوز السياسات والحروب الراهنة، فهذا البلد العريق ربما أعطى العالم أولى أغنياته، ويزخر التراث الشعبي السوري بأشكال كثيرة ومتعددة من القول الغنائي الشفاهي، والتي ما زالت مستمرة في حناجر الناس، مغنين وسامعين.

سوف نقوم في سلسلة مقالات بالتعريف بهذه الأشكال، من حيث التاريخية، ومكان الانتشار، وكذلك من حيث بنيتها الفنية، وذكر الأمثلة والنماذج عن هذه الأشكال الغنائية.

10/ الدلعونا

هي عمل فلكلوري فنيّ، في شكل أغنية ذات تلحين يناسب رقصات الدبكة الفلكلورية. واشتهرت بين الشعوب المتواجدة في المنطقة الممتدة من “أنطاكية” شمال سورية حتى خليج العقبة جنوباً، ولها إيقاعات كثيرة لا تعدّ، ويمكن أن تؤلف عليها المقاطع الغنائية لأية مناسبة مهما كان نوعها حزنا، أو فرحا، مديحا أو وصفا، وحتى في مجال “الروحانيات”، ولها تسميات مختلفة ترتبط بأدائها وحالة المؤدي العامة، مثل “الدلعونة” “النايمة” و”الميلة” و”الكرجة”، ولكل منها دبكتها الخاصة بها.

أصل التسمية

مثل كل الكلمات الموروثة، اختلف الباحثون في أصل التسمية. فمنهم من يذهب إلى أنّ أصل التسمية جاء من الثلاثي “دلع”، والتي تفيد معنى الدلال والغنج، ومنهم من يرى أنّ أصل الكلمة مشتق من اسم “عناة”، وهي ابنة الإله “ايل”، وهي آلهة الخصب والحب والحرب عند الكنعانيين، وكانوا يسمونها الخطّابة، حيث يتضرع الشباب الذين يرغبون بالزواج من حبيباتهم للإلهة “عناة” لمساعدتهم في الحصول على ما يريدون، فيقولون “ياعناة يدك ياعناة”. وفي تفسير آخر روي أنّ شاباً أحب فتاة اسمها “عناة”، كاسم الإلهة، ولما انفصلا، راح يغني “دلوني على عناة” فأدغمت الجملة في كلمة واحدة ورخّمت فصارت “دلعونا”.

أمّا الاعتقاد الشائع فهو أنّ أصل الدلعونا يآتي من “مدّ يد العون”، إذ كلما أراد أهل القرية التعاون في ما بينهم لإنجاز عمل ما، مثل جني المواسم، أو سلق القمح أو عند البناء أو في مواسم القطاف، كانوا يتنادون “دلعونا” طلبا لمساعدة أهل القرية. وعند إنجازهم لهذه الأعمال، كانوا يعقدون حلقات الدبكة مغنين الدلعونا. وفي المعنى نفسه، ذكر زكي ناصيف أن الدلعونا أصلها سرياني مؤلفة من أل التعريف السريانية “د”، وكلمة الـ”عونا” والتي تعني “المساعدة”.

وفي عهد الحضارة العربية في بلاد الشام استقلت الدبكة والأغنية عن مناسبتهما المباشرة (العون)، فصارت دبكة “الدلعونا” وأغانيها لكل مناسبة: الأعراس، الأفراح والمآتم كما للندم أو التشفي. إلا أنّ القول الوحيد المجمع عليه هو أّنّ الدلعونا أغنية أطربت الجميع، وتكاتفت الأيادي على أنغامها في الدبكة، واشتهرت الدلعونا السورية  بهذه الكلمات:

على دلعونا على دلعونا بي بي الغربة الوطن حنونا 
أمي يا أمي حبيبي وينو  سكر البحر ما بيني وبينو 
إن كنو مدين لوفيلو دينو  عشرة عصملي ما بيهمونا 

الأسلوب

فنّ الدلعونا نجح بالحفاظ على شكله التقليدي القديم، حيث يُناغم الردّاد، بيرغوله أو شبّابته مع المغني، فريقهما المكوّن من 10 من راقصي الدبكة شابكين الأيدي على شكل دائرة.

وفي بعض المناسبات تُغنّى الدلعونا دون دبكة، كأن يتغنى بها أحدهم في رواحه ومجيئه أو أثناء عمله، أو يتغنّى بها الفرد والجماعة عزفًا مرافقًا، إذ يبدأ الفرد ببيتٍ من الدلعونا، وتردّ جماعته بلازمةٍ معينة عبارة عن بيت شعرٍ واحد، أي نصف بيتٍ من ذلك الفن الذي يعتمد البحر “البسيط” في وزنه الشعري.

والدلعونا تُغنّى بأكثر من لحن تبعاً للمناسبة وللمؤدي، وتكون مقرونة بآلة موسيقية تراثية مثل الشبابة أو الأرغول أو المجوز. ولحنها متعدد ومتغير في آن ، وخاصة إذا صاحبتها رقصة الدبكة، ففي بداية الرقصة يُعتمد لحن متصاعد يدعو إلى الحماسة والنشوة ليبدأ بالتغير انسجاماً مع تحقيق حالة الطرب والفرح الجماعي ويتحول إلى متنامٍ متزناً حيناً إلى حزين هادئ أحياناً أخرى، وفي معظم الحالات تحكمه المناسبة وحالة الراقصين (الدبّيكة) وإيعاز قائد الدبكة (اللّوّيح).

المبنى

تنظم الدلعونا على البحر السريع أو البسيط من بحور الشعر العامية، ومن المعروف أنّ التقطيع في بحور الشعر العامية يعتمد على النبرة الصوتية على أن يتساوى مجموع النبرات الصوتية في كلّ شطرة.

وتتألف الدلعونا من مطلع “على دلعونا على دلعونا”، ثمّ شطرة ثانية تنتهي برويّ “نا” مثل “راحوا الحبايب ما ودّعونا” ؛ ثمّ تأتي عدّة أدوار يتألف كلّ منها من بيتين وكل منهما مؤلف من شطرين، أما قوافي الأشطر الثلاثة فواحدة، وقافية الرابع “نا”. فهي تُبنى على شكل أربعة أشطر شعريّة، تنتهي جميعها بقافية معيّنة باستثناء الشطر الأخير الذي يجب أن ينتهي بقافية “و،ن،ا”، مع إطلاق حرف الألف الأخير، فتكون هذه الألف إشارة لقائد الدبكة “اللوّاح” ليقوم بسحب الراقصين إلى القفز السريع كما في المثال التالي:

ثلاث غزلان من الشَّرِق طَلَّنْ                     مَدَّن العِبِي وراحَن يصَلَّنْ

سِمعَن المِجْوِزْ صارَن يغنَّنْ                      غيَّرَن اللحن على دلعونا

وقد تتبدّل القافية الدلعونية من (ونا) إلى (وما) في بعض أبيات الدلعونا :

على دلعونا ليش دلَّعتيني                             عرفتيني مجوَّز ليش أخذتيني

لأكتُب طلاقِك ع ورق تينِي                           واجعل طلاقِك في هذا اليوما

وعليه؛ فإن الدبكة التي سمحت الطبيعة المكانيّة ذات السهل المنبسط في المكان الريفي لانتشارها بشكلها السريع والرشيق، في حين لم تسمح الطبيعة المكانيّة في مناطق أخرى ذات الحنايا الجبلية بانتشار الدبكات لصالح ظهور”الصحجة” ذات الحركات الثقيلة، أدّى ذلك إلى انتشار الدلعونا بمناطق دون الأخرى، في حين ارتبطت الصحجة (وهي الرقصة النظيرة للدبكة) بقوالب غنائية أخرى مثل السامر والهجيني.

في بعض الأحيان يتغيَّر بناء القوافي الشعريّة في أشطر الدلعونا إلى أسلوبٍ مختلف، الغرض منه تنويع الصوت الشعريّ وكسر الرتابة الإيقاعية في الكلمات، بحيث تكون الأشطر (الأول والثاني والرابع) منتهية بالقافية الدلعونية، وتصبح القافية المختلفة في نهاية الشطر الثالث، كما في المثال :

على دلعونا على دلعونا                     الهوا الشّمالي غيَّر اللونا

الهوا الشّمالي غيّرلي حالي                 حبَّت بدالي بنت الملعونا

موسيقاها

لحن الدلعونا من جنس البياتي ولا يتعدّى، شأنه شأن سائر الغناء الشعبي عادة، أربع نغمات، أما إيقاعها فيعود على نفسه في دائرية واحدة لا تتغيّر. تؤدّى الدلعونا عادة بمرافقة آلية بسيطة من واحدة أو أكثر من الآلات الموسيقية الشعبية كاليرغول أو المجوز أو الشبابة (ناي)، بطبلة وبدونها. تتناسب الدلعونا بايقاعها مع إيقاع الدبكة الشعبية وتتفاعل في أدائها الأقطاب: المنشد والعازف واللوّيح بالمنديل الذي يرأس صفّ الدبكة. ولذا فسرعان ما تتشابك الأيدي حال سماع نغمات الدلعونا، لتنتظم حلقة الدبكة تدّك الأرض دكاً.

ويتألف لحن الدلعونا من جملتين موسيقيتين متكررتين، وغالبًا ما تكون على مقام البياتي، ويلازمه إيقاع الملفوف الثنائي. ولكن بالرغم من ذلك، فإنّ ألحان الدلعونا تنوّعت حتى وصلت إلى أكثر من سبع ألحان معروفة ومشهورة، تشترك جميعها بنفس الأسلوب اللحني والإيقاع، مع اختلاف في المسافات بين النغمات أحيانًا أو درجة الركوز أو الحليات اللحنية.

وبعكس بعض القوالب الغنائية الأخرى التي يكون فيها الغناء حكرًا على أحد الجنسين، يشترك الرجال والنساء في غناء الدلعونا على حدٍّ سواء، ولا يكون الاختلاف بين النمط الذكوري والأنثوي سوى في المضمون الشِّعري وأسلوب الغناء الذي يأخذ منحىً أكثر صلابةً وحيويةً للتعبير عن الشخصيّة الذكورية.

نماذج منها:

على دلعونا على دلعوناما بنسى حباب الكانوا يحبّونا
قلبي عَ حبابي شعلان بناروودمعات عيوني فضحت أسرارو
وبعد ما راحوا عالغربة وطاروامثلي ما تعذّب قيس المجنونا
على دلعونا على دلعوناراحوا الحبايب ما ودّعونا
على دلعونا ليش دلّعتينيعرفتيني شايب ليش تا خذتيني
لأكتب كتابك عَ ورق تينةوأجعل صداقك حبّ الزيتونا
على دلعونا على دلعونارزق الله لمّن كنتو تحبّونا
خلي رقصاتك حلوة وموزونةحتى غنيلك نغمة حنونة
اطلبي شو بدّك تكرمي يا عيونيروحي كرمالك والله مرهونا
على دلعونا على دلعونايا طير الطاير غنّي لحبّونا

هذه الأغنية يتصرف فيها الناس كل حسب مشيئته وهواه، إلا أنهم يحافظون على اللحن الأصلي، وهذا نموذج آخر:

على دلعونا على دلعوناهوى الشمالي غير اللونا
هوى الشمالي غيرلي حاليحبي جافاني مبارح واليوما
على دلعونا ليش دلّعتينيعرفتيني شايب ليش أخذتيني
لأكتب كتابك عَ ورق تينةوأجعل صداقك حبّ الزيتونا
شوفات بحظي ببنت النصرانيقطعت صلاتي وديني وإيماني
ياما يايما عطيني حصانيعسكر جديدة يارب العونا
شوفات بحظي ببنت اليهوديقطعت صلاتي وديني ومعبودي
يما يايما عطيني فروديعسكر جديدة يارب العونا
لاصبغ أسناني من لون النيلوابكي عليهم طول السنين
وان كان يا حبي مارح تيجينيلاشلح تيابي واطلع مجنونا

https://www.youtube.com/watch?v=LDuXwGzaeNY

مصدر من كتاب (دمشق في مطلع القرن العشرين) لمؤلفه أحمد حلمي العلاف ديوان لآلئ كنعان. إصدار خاص. دمشق 1995 شرح زكي ناصيف لأصل دلعونا - عن صحيفه النهار اللبنانية
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.