الداخل السوري عثرات في طريق العمل السياسي

شهدت الثورة السورية منذ البداية حالة من الفراغ السياسي؛ الأمر الذي سمح للقوى الخارجية وأدواتها التدخل وحرف البوصلة عن مسارها بتأثير عدة عوامل، فماهي؟

نصار نصار

مع قيام الثورة السورية عام 2011م، وجدت القوى السياسية التقليدية التي تنتمي لمرحلة ما قبل الانتفاضة، وكان لها تاريخٌ حافلٌ في صراعها مع النظام السوري، الفرصة سانحة لتجديد دورها في قيادة الثورة وتوجيهها للمسار الذي تبتغيه، مستفيدة من حالة الفراغ السياسي في ظل غياب شبه تام للعنصر الشبابي عن تعبيرات الثورة السياسية هذا من جهة، ومن جهة أخرى مستفيدة من علاقاتها مع بعض القوى الإقليمية والدولية التي تربطها بها علاقات الإقامة والعمل، لتطرح نفسها كممثلٍ وحيدٍ وتحتكر التعبير عن أشكال الثورة ومفرداتها في محاولة لكسب الشرعية الشعبية كالحملة التي روج لها المجلس الوطني في شعار ” المجلس الوطني يمثلني “.

تزامن ذلك مع محاولات للشباب السوري غير المسيس للدخول إلى عالم السياسة على خجل؛ ذاك البحر الزاخر المتلاطم الأمواج، والخوض فيه محاولين التحرر من هيمنة وسيطرة السياسيين التقليديين التي شاخت برموزها وبرامجها وفق رؤيتهم.

تعددت التشكيلات السياسية بقصد مواكبة الانتفاضة وخلق شكلٍ سياسيٍ يُمثّلها، فمرة كانت على شكل تنسيقيات وأخرى على شكل لجان وهيئات و…الخ، إلا أنّ النتيجة وفي كل الحالات كانت واحدة إذ لم يُكتب لهذا الدخول النجاح وفشل مبكراً رغم تكرار المحاولات، فما هي الأسباب؟

لعل هناك الكثير من العوامل التي كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في فشل العمل السياسي المبكّر، وعدم القدرة على قيادة المرحلة سياسياً، إذ أنّ التوجه للعمل السياسي بأشكاله البسيطة في المراحل الأولى للثورة لم يكن بطبيعته توجّهاً أساسياً أصيلاً لدى الأطراف ـ وذلك بحكم عهود الاستبداد الطويلة في دولة أكثر ما يميزها شراسة القمع الأمني ـ بقدر ما كان ردة فعل على تعثُّر مسار الثورة، فكانت النتيجة الطبيعية لهذا التحرك في مثل هكذا ظروف هو افتقاده للثقة بالنفس وأدنى درجات الخبرة في العمل السياسي في الوقت الذي كان منوط به مواكبة الحراك الثوري في سنيه الأولى.

ولعل هذا ما أفضى إلى وجود الهوة الواسعة بين القوى السياسية ـ على بساطة أشكالها وقلة خبرتها ـ وبين الفصائل العسكرية المسلحة في المراحل اللاحقة، فعوضاً عن أن يكون العمل العسكري مؤتمراً بالقرار السياسي أصبح منفصلاً ومستقلاً عنه في مرجعياته وقياداته وحتى في علاقاته الخارجية.

كان نتيجة ذلك أن زادت الهوة الواسعة أصلاً بين الفصائل المسلحة وبين القوى السياسية الناشئة في الداخل، وخاصة مع بروز عدد من الأجسام السياسية في الخارج والمدعومة من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية التي راحت تستقطب قوىً وشخصيات بعينها على حساب الداخل الذي وجد نفسه بين سندان القوى السياسية وداعميها في الخارج ومطرقة القوى العسكرية في الداخل، ومع مرور الأيام تضخّم دور القوى التقليدية نتيجة تدفق رأس المال السياسي في الخارج، أما الشباب الذين خرجوا في العام 2011م مطالبين بالحرية وتكافؤ الفرص بعد إسقاط النظام، حاولوا دخول معترك السياسية فصدموا، وأخذت تستقطب الكثير منهم الجماعات الإسلامية المقاتلة الرافضة وقتئذٍ لأفكارهم، إذ لم تكن تؤمن بجدوى العمل السياسي و كان العمل العسكري المسلح دون غيره في رأس أولوياتها، مستغلة بذلك الحماس المفرط لكثير من الشباب تجاه العمل العسكري على حساب العمل السياسي من جهة، وقلة خبرتهم السياسية من جهة أخرى، إضافة لكونهم لم يستطيعوا مواجهة جهات إيديولوجية تقول إنّها تحمل الحلول لمشكلات واقعهم وتحاكي رغباتهم، فأصبحوا إزاء ذلك ضائعين أمام هول التحولات وتغير مجريات الأحداث بين الحين و الآخر.

وهكذا دخلت السياسة الممثلة للانتفاضة في الداخل بمأزقٍ كبيرٍ، يعبّر عن أزماتها خلال السنوات الماضية، فباتت مشلولة وعاجزة عن التواصل مع السوريين، بل إنّها لم تعد قادرة على تمثيل إلا نفسها، تزامن ذلك مع ظهور عدة منصات في الخارج، مرتبطة بشكلٍ واضحٍ وفاضحٍ بعواصم بعينها، مثل منصة موسكو والقاهرة، ولا تعبّر عن امتدادٍ جماهيريٍ حقيقيٍ بل باتت عقبةً في وجه بروز قوىً سياسيةٍ حقيقيةٍ، فأسهمت -عبر فشلها- في تكريس مناخ اليأس من العمل السياسي.

في وقت كانت ولاتزال الحرب الإعلامية وتراشق البيانات والخطاب الإعلامي هو الوسيلة المفضلة وفي كثير من الأحيان الوحيدة لمعظم القوى السياسية السورية في الداخل لمواجهة التحديات ومحاولة التغيير. ولم يدرك كثيرٌ من الشباب المعارضين أصحاب الأصوات الرنانة أنّ هذا الخطاب وحده لا يكفي لتحقيق الانتصار، وإنّ توجيه التهم للمخالفين في الرأي والمزايدات التي لا تنتهي تضرّ بالثورة وتذهب بمصداقيتها أكثر مما تفيد، ولا تحقق في الواقع إلا الغرور الكاذب لأصحابها، ولا تصنع دول بديلة وحريات إلا في أحلام المعجبين وأوهام المزايدين.

 صحيحٌ أنّ الخطاب الإعلامي ضروري لنجاح أيّ عمل سياسي، لكن نجاح العمل السياسي يتوقف بالدرجة الأولى على القدرة على الحشد والتنظيم والتخطيط، ومن ثم يأتي الدور المكمّل للخطاب الإعلامي في توظيف منابره لإيضاح المواقف المعتمدة والخطوات المتخذة، والاستفادة من أي تقاطعات ممكنة لخدمة أهداف الثورة ودعم مكاسبها.

إزاء ذلك كله أصبح من الضرورة بمكان حلّ قضية فشل الشباب وابتعاد الكثير منهم عن العمل السياسي، من خلال البحث في عوامل وأسباب الإخفاقات الماضية ومعالجة قضية غياب القدوة السياسية الشبابية، وذلك بإنتاج قيادات شبابية سياسية تصبح قدوة للباحثين في هذا المجال، ومحاولة تخليص العمل السياسي من إرادات ومصالح القوى الإقليمية والدولية، وإعادة الحسبان للبعد الوطني، بوصفه العامل الرئيس في نجاح العمل السياسي، وإقناع السوريين بأن تنظيم الجهد أمرٌ لا مفر منه لتجاوز محنتهم، مهما طال الوقت، أو تعقدت الأمور.

فالعمل السياسي سيبقى ضروريًا ومهمًا، ولا شك أن غيابه يلعب لمصلحة القوى المعرقلة للحل السوري، وهو مؤشرٌ خطِيرٌ على مدى الانكسار الذي أصاب السوريين في الأيام السابقة نتيجة عدم تنظيم أنفسهم ووضع طاقاتهم في إطار سياسي – تنظيمي، ووصولهم إلى قناعة مفادها: إنّ سورية باتت مسرحاً للعبة الأمم، ولم يعد ثمة دور للسوريين في قضيتهم.

مصدر الجزيرة نت عربي 21 أورينت نيوز
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.