الخيال الاستهلاكي والتشيؤ البشري

الأيام السورية؛ علي الأعرج

عندما يُطرح لفظ الاستهلاك على ألسن البشر، فإن الصورة الأولى المتاحة لهذا اللفظ، ترتبط بشكل جذري بالقيمة الناتجة عنه، والاستفادة المطلقة منه، كنمط يحقق للفرد آلية اعتبارية داخل المجتمع.

لكن لا تكتفي الظاهرة الاستهلاكية في العصر المتقدم بهذه الرؤية الاعتبارية فقط، لقد تجاوزت شكل القيمة والفائدة على الناس لتصبح نمطاً مسيطراً على الخيال حتى لو لم يكن هناك أي فائدة من المادة المستهلكة.

في اتصال مع أحد الأشخاص للاطمئنان على أخباره، شعرت بأنه كان مشغولاً بشي ما، فقال لي بعد دقائق: “هل يمكن أن أخابرك في وقت لاحق، إني أرتب ملابسي في الخزانة”. ثم أضاف بصوت مُتعب وملول: “كم أملك من الثياب! يا إلهي كم لديّ أردية لا أستخدمها!. أخابرك لاحقاً”.

عندما انتهى الاتصال، استرخيت في مكاني وسؤال خطر في دماغي مباشرة، ما الذي يدعوه للاحتفاظ بهذا الكم الهائل من الملابس إن لم يكن يستخدمها؟.

وتوالت الصور لكثير من الناس الذين أعرفهم، منهم من يحمل ثلاثة موبايلات على الرغم أن لا شيء مميز في حياته على مستوى الأعمال الاقتصادية، ومنهم من يحتفظ بكتب هائلة مع العلم أنه لا يقرأ خُمس الكمية التي لديه أو حتى لا يقرأ أبداً. وربما المثال الأبرز، لفتاة ما زالت عذراء ولم يُشاهد جسدها بعد من قِبل أحد ومع ذلك حريصة على ارتداء السترينغ الداخلي.

بالطبع هذه الأمثلة هي حريات شخصية، لكن وراء هذه الحريات تكمن ملامح عميقة من المفهوم الاستهلاكي الذي لا يُجنى منه أي فائدة. إنه مرتبط بالتصور الخيالي الذي سيكون في الاعتبار الاجتماعي مستقبلاً.

إننا لا نتحدث عن النمط الاستهلاكي في الرفاهية المتاحة والعقلانية، كامتلاك سيارة، أو حضور حفلة أسبوعية، أو تناول عشاء في مطعم فاخر بشكل منتظم، بل نتحدث عن المبالغة التخيلية التي لا يُستفاد منها كقيمة مستهلكة، وتعود بالفائدة على المستهلك.

إن الذي يحتفظ بالملابس الكثيرة التي لا يرتديها، ما الدافع لفعل هذا الاستهلاك! إنه ببساطة الإشباع الخيالي كصورة مضادة للواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يستهلك كل القوى الإبداعية عند ذلك الفرد، رغبة بمكافأة الذات جمالياً ضد الإحساس بالاستعباد العملي.

والعذراء التي ترتدي سترينغ (قد لا يكون مريحاً في الحركة الدائمة)، هي أيضاً تُشبع التخيّل الجنسي في الذات رغم أن لا أحد يعلم فعلياً ما الذي ترتديه، ولا أحد سيراه أو يلمسه.

وذات الأمر ينطبق على الرغبة التخيلية بإظهار الذات كحالة ثقافية في الاحتفاظ بكميات هائلة من الكتب. إثبات استباقي للمجتمع كصورة أكثر تطوراً عليه. ذات الأمر ينطبق في عالم التكنولوجيا والرغبة بالتمظهر المتطور.

إن قوى الاستهلاك تفرض على الناس آليات تعامل في الترويج الأكبر لبضائعها، لكن لم تعد تكتفي بالترويج الكلاسيكي في الاحتياج المادي فقط بالنسبة للفرد، إنها بحاجة إلى إقرار عميق بالتشيؤ الإنساني.

في التسليع النمطي للإنتاج (رغم أن الإنسان يستهلك) لكن يبقى الفرد محافظاً على ذاته كصورة مستقلة عن المادة المستهلكة، وبالتالي؛ هناك إمكانية التحرر من القوة، والإنجاز بشكل مستقل، لكن لحظة التشيؤ البشري، تتعامل مباشرة مع الصورة التخيلية عن الذات. استهلاك أي شيء دون فائدة منه، لتحقيق موازنة التخيل النفسي.

في هذا الوقت المتقدم، أصبح الخيال البشري كصورة تحقيق معادلات متزنة، هو الصورة الأوسع للاستهلاك، والمسألة هنا رغم أنها حريات شخصية بحتة، لكن تُخفي ورائها أنماط تفكير إذلالية وغير واعية للجنس البشري. شكل من الاستعباد المطلق للإنسان تحت اسم الأناقة أو الثقافة أو الحب، لكنها لا تخدم إلا الصورة الاستهلاكية للذات الإنسانية.

هذا الكلام لا يعني أن نكون أشخاصاً جلفين وقذرين وجاهلين، إنما يعني أن نمارس الفعل على قدر الحاجة كي لا نصبح عبارة عن أشياء لا تفكر إلا بما يحقق اتزاننا النفسي الروتيني، والبليد الذي لا يُنتج أي عملية تطورية تخدم إنسانيتنا.

إننا نعاني من عصر لم يعد عصراً استهلاكياً، بل عصراً تشيؤياً. وبالطبع؛ المسألة لا تتوقف عند ملابس أو تمظهر ثقافي، بل تمتد لتسليم التخيل البشري الذي من المفترض أن يكون خيالاً إبداعياً وإنتاجياً إلى تخيّل محصور في إهدار الوقت عما يجب أن نحقق من خلاله صورتنا المثالية؛ كإرضاء للذات المُنهكة وإرضاء للآخر الذي يبحث عن كمالية غير متحققة في إنسان، من الطبيعي أن يكون إنساناً ناقصاً.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.