الخيارات الأخلاقية.. عندما يذهب الصحفيون إلى الحرب (4/5)

اعداد: آيدان وايت

ترجمة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين

البروبوغاندا وتأطرها

عندما يتعلق الأمر بحرب المعلومات فإن بلدان مثل الولايات المتحدة، والصين، وروسيا تعتبر رائدةً على مستوى العالم في هذا المجال. في عام 2008 أطلقت حكومة الولايات المتحدة برنامج بروبوغاندا سرّي بتكلفة 300 مليون دولار أمريكي لإنتاج تقارير إخبارية وبرامج تسلية وإعلانات خدمات عامة لوسائل الإعلام العراقية في مسعى “لإشراك وإلهام” السكان المحليين لكي يؤيدوا سياسة الولايات المتحدة.

في حرب الأفكار، استأجرت الولايات المتحدة على مرّ السنين أفواجاً من اختصاصيي الاتصالات ومتعاقدي علاقات عامة من القطاع الخاص لكي يدعموا أجنداتها حول العالم. ففي العراق أُنفقت مئات ملايين الدولارات في سوق البروبوغاندا لتحدي جماعاتٍ كالقاعدة، التي تتضمن عملياتها الإعلامية مواقع إلكترونية متطورة وفيديوهات عالية الاحترافية.

تضمّنت حملة المعلومات التي أطلقتها الولايات المتحدة في العراق ساعات بث تلفزيونية وإعلانات تمتدح التحسّن في الخدمات التي تقدمها الحكومة، وتدعم الجيش العراقي، وتشجع العراقيين للإبلاغ عن الحوادث الأمنية.

بعد الغزو الأمريكي للعراق، قامت شركات اتصالات أمريكية خاصة بإنتاج مقاطع فيديو ودفعتها للقنوات العراقية المحلّية كمنتجات عراقية. “لا يعرفون أن منتِج المحتوى هو حكومة الولايات المتحدة. لو عرفوا، لما بثّوا أي من تلك المقاطع،” قال أحد المتحدثين بصراحة للواشنطن بوست. “في الشرق الأوسط، يخشى الناس كثيراً من أن يتعرضوا للتغريب (…) ولذلك يجب أن تكون حذراً عندما تقدم المعلومات للشعب.”

بنفس الطريقة، تتلقى قناة روسيا اليوم حوالي 300 مليون دولار أمريكي من حكومة فلاديمير بوتين لكي تعزّز الرواية الحكومية حول شبه جزيرة القرم، وأكرانيا والتدخلات الخارجية لروسيا في سوريا، وكذلك لكي تتحدى القناة ما تسميه تحيّز الإعلام الغربي.

وقد جعل تغوّل بروبوغاندا ونفوذ قناة روسيا اليوم بلداناً أخرى تقع على تخوم الاتحاد السوفياتي السابق، مثل دول البلطيق كلاتفيا، وإستونيا، وليتوانيا أكثر خشيةً من السياسية الروسية من ذي قبل، وشجع ذلك الولايات المتحدة لكي تزيد الميزانيات المخصصة لدعم خدمات الدعاية الخاصة بهذه البلدان. لكن الانحياز الصريح لقناة روسيا اليوم دفع البعض من الصحفيين العاملين فيها إلى التمرّد العلني.

في العصر الرقمي حيث تغيب مصادر معتمدة للمعلومات، مع ارتفاع الطلب الشعبي عليها، تبقى مساحات زمنية لا محدودة تحتاج للملء في وسائل الإعلام وهو ما يشكل إغراءً للاستعجال بالنشر والضغط الفوري على أزرار المشاركة التي تتيح تدوير المعلومات

وفي الصين، حيث يشكل قسم البروبوغاندا مكوناً أساسياً من جهاز الحزب الشيوعي، استثمرت الحكومة الملايين في تطوير الواجهة الدولية لإعلامها كجريدة الصين اليوم بالإنكليزية، وتلفزيون الصين المركزي الذي يبث بعدة لغات أجنبية؛ لكي ينقل من منظور بكين قصة الصراعات حول الأقاليم المتنازع عليها في شرق آسيا.

وفي عصر الإنترنت، تمّ استغلال قوة الشبكة العنكبوتية العالمية لتعزيز مقدرات الدول على بث البروبوغاندا. فقد جنّدت الصين آلاف المدوّنين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الماهرين في استخدام ثقافة التواصل الحديثة؛ لكي يغمروا الأصوات المخالفة، ويعززوا الدعاية الحكومية.

لكن كل الأطراف المتصارعة، سواء كانت دولاً أم فاعلين دون مستوى الدولة، وخصوصاً منهم الجماعات الإرهابية كتنظيم داعش، قد أصبحوا ماهرين في الفن الأسود المتمثل باستخدام تكنولوجيات التواصل المتقدمة لإلهام الموالين وإخافة الأعداء.

في هذا السياق الجديد، يواجه الصحفيون الذين يغطون النزاعات مهمةً أكثر مشقة تتمثل في العمل على تجنب الإشاعات، والتضليل الإعلامي والكلام الذي يُلقى جزافاً، وذلك على خلاف ما كان عليه الحال قبل بضع سنين، حيث اقتصرت مشقة تكوين صورة واضحة على العمل على تجنب التحيز، والتضليل المتعمد في بيانات الجيوش أو الأبواق السياسيين.

في العصر الرقمي حيث تغيب مصادر معتمدة للمعلومات، مع ارتفاع الطلب الشعبي عليها، تبقى مساحات زمنية لا محدودة تحتاج للملء في وسائل الإعلام وهو ما يشكل إغراءً للاستعجال بالنشر والضغط الفوري على أزرار المشاركة التي تتيح تدوير المعلومات.

لكن الحقائق تحتاج لفحصها، والصور تحتاج لتدقيقها. وكل ذلك يأخذ وقتاً. لا ينبغي على الصحفي أن يقتفي أثر العوام على الإنترنت، وأن يكتفي فقط بنشر ما يثق بأنه حقيقي. في البيئة الرقمية لعالم اليوم، يتمّ تدوير الإشاعات والتوقعات من دون ضوابط، ولذلك فمعرفة ما هو حقيقي مما هو مزيف وتدقيق المعلومات يعتبر ضرورةً أساسية. ويعلو شأن هذا المبدأ في أوقات التغطية للأخبار العاجلة حيث من الممكن للإشاعة والتزوير أن يضيفا إلى حالات التوتر والالتباس التي تشيع في هكذا ظروف.

لكن هناك من أتى لتقديم المساعدة. وذاك هو كريغ سيلفمان، محرر مدونة “تأسّف للخطأ” في معهد بوينتر الذي تعاون مع مركز الصحافة الأوربي وأنتجوا كتيباً مفيداً بعنوان “دليل التثبت.”

وهكذا فمن كل الجوانب فإن التغطية الصحفية للنزاعات محتومٌ عليها أن تتم في ظل المصالح المبطّنة، والنعرات والتحيز. تترك هذه الأمور أثرها على طريقة نقل الصحفيين للأخبار وأسلوب وسائل الإعلام في تقديم الرسائل.

يجب على الصحفيين أن يتحلّوا بالثقة والمصداقية، وهذا يعني أن عليهم أن يتأكدوا أن عملهم لن يتلوث بالميل المفرط للتغطية من جانبٍ واحد فقط في أوقات النزاع.

خطاب الكراهية وفوبيا الأجانب الذي تتورط فيه جماعات من خلفيات قومية، أو عرقية، أو لغوية، أو دينية، أو ثقافية مختلفة بالتشجيع علناً على الكراهية الشديدة تجاه الطرف الآخر

وهم بحاجة لأن يفهموا أن الإطار الذي تقدّم فيه وسائل الإعلام تغطياتها – وهو إطار “هم ونحن” – يُبنى في الغالب على تحيز ثقافي من طرف مجموعة معينة ضد أخرى، استغرق عقوداً طويلة من النمو.

غالباً؛ ما يتعزز هذا التحيّز بعملية أسطرة يتخللها صور ومعتقدات تمجّد العنف المادي كجزء من تراث وطني سامٍ.

تقلّل عملية التأطير هذه، بل وتدمر، المقدرة على إنتاج صحافة الجودة. وفوق ذلك فهي تقود إلى:

ـ خطاب الكراهية وفوبيا الأجانب الذي تتورط فيه جماعات من خلفيات قومية، أو عرقية، أو لغوية، أو دينية، أو ثقافية مختلفة بالتشجيع علناً على الكراهية الشديدة تجاه الطرف الآخر. ويقود ذلك بدوره إلى عقلية كبش الفداء – التي يقصد بها البحث عن آخرين تلقي عليهم اللوم في مشاكلك وأزماتك – والتي قد تنحدر بدورها إلى تحريض على العنف من أجل محو الجماعة محلّ اللوم.

ـ أشكال ممأسسة من التمييز في أجهزة الدولة ـ تحديداً لدى الشرطة وقوات الأمن ـ يمكن أن تعضدها القوانين والسلوكيات التقليدية. وهكذا يتم التغاضي عن الأذية أو تجاهلها ما يقود إلى معاملة غير منصفة تقوم على العرق، أو الجنس، أو الدين. وقد يجبر الناس الذين يعيشون في الفقر على العيش في جماعات منفصلة ومعزولة عن باقي المجتمع. وهذا بدوره يزيد من الشعور بالتباغض.

يقود كل ما ذكر أعلاه إلى الفساد في الشأن العام، ويخلق بيئة مخيفة ممكن أن يندلع فيها العنف في أية لحظة. هذه هي الأرضية الخصبة التي تقود إلى تبنّي سياسات انتهازية ولا وجدانية. فلا مراء إذا أنه ينبغي على الصحفيين أن يمتلكوا حساً عالياً، ويبقوا متيقظين في أثناء عملهم حتى لا يزيدوا الأمور سوءاً.


المقال هو جزء من كتاب (تغطية النزاعات في عصر الهواتف الذكية) الصادر عام 2016 والمنشور على موقع شبكة الصحافة الأخلاقية.

تم النشر بالاتفاق مع ميثاق “شرف للإعلاميين السوريين”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.