الخوذ البيضاء.. ست سنوات على التأسيس وإنقاذ 122 ألف مواطن

الدفاع المدني لا يمانع تلقي التمويل من أي دولة أو جهة، لكن دون أي إملاءات أو شروط سياسية، ومن بين الدول التي تمول الدفاع المدني السوري، كندا والدنمارك وبريطانيا والولايات المتحدة وهولندا وقطر وألمانيا، وفرنسا.

الأيام السورية؛ بدر حسين

لم تكن ولادة الدفاع المدني السوري بهدف التسلية أو مجرد صدفة، بل جاءت في وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة، وفي وقت تخلت مؤسسات وجدت لحماية المواطن السوري من الحرائق والغرق والحرب مع أعداء الوطن، هذه المؤسسات لم تكتفِ بتخليها عن المواطن، بل انحازت ووقفت إلى جانب نظام دمر الحجر والبشر.

أمام هذا الواقع لم يكن أمام الثائرين على نظام الأسد سوى خيار واحد، هو الاعتماد على أنفسهم في تقديم المساعدة للمنكوبين والمتضررين من همجية ووحشية الحرب التي شنها النظام، وخاصة بعد أن استخدامه الطائرات والقصف الصاروخي والمدافع ضد الشعب الأعزل، ومن هنا نشأت العديد من الفرق الطبية وفرق الإنقاذ والإطفاء بمعدات بسيطة بالاعتماد على متطوعين.

البداية والتأسيس للدفاع المدني

صحيفة الأيام التقت مدير المكتب الإعلامي في مديرية الدفاع المدني بحلب إبراهيم أبو الليث، الذي حدثنا عن واقع الدفاع المدني السوري قائلاً: في عام 2012 بدأ النظام السوري في استخدم القصف الجوي كشكل من أشكال العقاب على الأحياء السكنية، والتي دمرها بشكل شبه كامل على رؤوس أصحابها دون أن يهرع أحد لإنقاذ سكانها. وقد تشكلت الخوذ البيضاء استجابةً لهذه الحاجة، وقد اقترن هذا القصف الجوي بسحب الخدمات التي تقدمها الدولة مثل الإطفاء والإسعاف في حالات الطوارئ وصيانة شبكات المياه والكهرباء.

وعن بداية تأسيس الدفاع المدني أوضح أبو الليث، نشأت عدة مبادرات مدنية لتنظيم عمل الدفاع المدني، ولم يبدأ بالصورة المنظمة التي هو عليها اليوم، إنما جاء نتاج طبيعي لتجمع العشرات من المبادرات التطوعية في مناطق مختلفة في جميع سوريا، وتجمع المئات من المتطوعين معاً، الذين كانوا من مختلف المشارب والاتجاهات والاختصاصات، بينهم المعلمون والمهندسون والنجارون والخياطون والتجار وأصحاب المهن الحرة.

فعل هؤلاء المتطوعون ما بوسعهم لمساعدة مجتمعاتهم في الاستجابة لعمليات القصف وحالات الطوارئ الأخرى بدءاً من أحيائهم وجيرانهم، ولم يربط تلك الفرق أو المتطوعين أي رابط مؤسساتي بالصورة التي نراها اليوم، بل عمل الجميع في الحيز الجغرافي الموجود به دون أن يعرف حتى بالمجموعات التطوعية الأخرى التي كانت تعمل بالأحياء المجاورة، مدفوعا بهدف إنساني بحت، لاسيما أن تلك المرحلة بدأت تظهر فيها ملامح الحصار كسلاح عقاب موجه ضد المدنيين، لم تقل بشاعة عن القصف وسحب الخدمات. أخذت نواة العمل في محافظة حلب منحى تنسيقي أكبر نظم عمل الفرق المستجيبة الأولى.

من أعمال الدفاع المدني السوي/مصدر الصورة: إبراهيم أبو الليث

بداية توحيد الجهود

أشار أبو الليث أن حادثة منع قوات النظام عام 2012 لأحد فرق الإطفاء في مدينة حلب من الاستجابة لحريق في حي سكني بحجة أنه خارج عن سيطرتها، البذرة الأولى للظهور بشكل علني لأول فريق مختص تحدوا قرار قيادتهم وذهبوا وأطفأوا الحريق، وهكذا كانت بذرة إنشاء أحد مراكز الدفاع المدني الأولى في محافظة حلب.

وأكد أبو الليث أن في عام 2014 بدأت مناقشة موضوع توحيد هذه الجهود بطريقة رسمية أكثر لتصبح مؤسسة الدفاع المدني منظمة واحدة تكرس عملها في إنقاذ حياة الناس في سوريا، وأثناء السعي للتنظيم والتنسيق بصورة أفضل، حاصرت قوات النظام عدة مناطق في سوريا وباتت معزولة عن بعضها بسبب تغيير خطوط السيطرة، ولم تتمكن الفرق الموجودة في الشمال من الوصول إلى تلك الموجودة في دمشق وريف دمشق وحمص ودرعا والقنيطرة.

من أعمال الدفاع المدني السوي/مصدر الصورة: إبراهيم أبو الليث

الاجتماع التأسيسي الأول

أردف أبو الليث قائلا: في 25 تشرين الأول عام 2014، كان الاجتماع التأسيسي الأول في مدينة أضنة التركية، وحضره نحو 70 من قادة الفرق في سوريا، ووضع المجتمعون ميثاقاً للمبادئ الخاصة بالمنظمة لتعمل تحت القانون الإنساني الدولي، وتم الاتفاق على تأسيس مظلة وطنية لخدمة السوريين، وإطلاق اسم “الدفاع المدني السوري” عليها، وشعاره من الآية في القرآن الكريم، وهي: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً”، لمساعدة جميع السوريين بكل أطيافهم بحيادية وشفافية ودون أي تحيز.

وبين أبو الليث أن الدفاع المدني في بداية عام 2015، أطلق عليه اسم “الخوذ البيضاء” على “الدفاع، بعد اشتهار الخوذ التي يرتديها المتطوعون أثناء عمليات البحث والإنقاذ، ووصل عدد المتطوعين عام 2017، إلى 4300 متطوع من بينهم 450 متطوعة.

من أعمال الدفاع المدني السوي/مصدر الصورة: إبراهيم أبو الليث

مصادر تمويل الدفاع المدني

أكد أبو الليث أن الدفاع المدني السوري يحصل على التمويل عبر عدة مصادر أهمها الحملات الشعبية والتمويل القادم من الدول والمؤسسات الإغاثية والإنسانية والأشخاص، إضافة للحملات الشعبية التي يتم من خلالها جمع تبرعات عبر الإنترنت، وهذا الجانب من التبرعات كان له دور مهم في تطوير عمل المنظمة، وفي حالات الطوارئ. كما تلقت منظمة الخوذ البيضاء تمويلاً من مؤسسات إنسانية وإغاثية مختلفة، منها الهلال الأحمر التركي، وهيئة الإغاثة الإنسانية التركية ( (IHHومن مؤسسة قطر الخيرية، وعدة مؤسسات خيرية تعمل في كندا وأوروبا.

وأوضح أبو الليث أن الدفاع المدني لا يمانع تلقي التمويل من أي دولة أو جهة، لكن دون أي إملاءات أو شروط سياسية، ومن بين الدول التي تمول الدفاع المدني السوري، كندا والدنمارك وبريطانيا والولايات المتحدة وهولندا وقطر وألمانيا، وفرنسا.

من أعمال الدفاع المدني السوي/مصدر الصورة: إبراهيم أبو الليث

مهام الدفاع المدني

وأشار أبو الليث أن الدفاع المدني السوري يقوم بعمليات البحث والإنقاذ، ويتجاوز عدد المدنيين الذين تم إنقاذهم بسبب قصف النظام وروسيا 122 ألف مدني، ويستجيب أيضاً للحوادث بأنواعها ويسعف المصابين، والتعامل مع الهجمات الكيماوية لحماية المدنيين، إضافة لخدمة الراصد والتي تحذر المدنيين من الهجمات الجوية وتساهم بإنقاذ أرواحهم.

وبين أبو الليث لم تكن مهمة متطوعي الدفاع المدني فقط إنقاذ المدنيين من بين ركام قصف النظام وروسيا، فخلف خطوط الموت أو حتى بينها، يحتاج المدنيون لخدمات تبقيهم على قيد الحياة في ظل البنية التحتية التي باتت شبه مدمرة، ويسعى الدفاع المدني بما يتوفر من إمكانات للمساهمة بتأهيلها وصيانتها، والمشاركة في تقديم الخدمات، مثل إعادة الكهرباء والمياه والصرف الصحي، وإزالة جبال من ركام المنازل التي انهارت بسبب قصف النظام وحليفه الروسي، كما يقدم الدفاع المدني الخدمات للمدنيين المهجرين والنازحين عبر تجهيز المخيمات وفتح طرقات لها وفرش أرضياتها والمساعدة بتحسين بنيتها التحتية.

وعندما تنتشر الأمراض والأوبئة يهرع المتطوعين بكل إمكاناتهم لمواجهتها والحد من انتشار، عبر الإمكانات المتاحة والتوعية وتأمين التجهيزات الطبية والوقائية.

وعن المناطق التي ينتشر فيها رجال الدفاع المدني أوضح أبو الليث أن الدفاع المدني السوري يسعى لتقديم خدماته لكافة المدنيين وفي المناطق السورية كافة حيث يستطيع المتطوعون الوصول إليها دون وجود تهديد أو خطر على حياتهم، ومنذ التأسيس حتى عام 2018 قدم المتطوعون خدماتهم لأغلب المحافظات، ولكن بعد سيطرة النظام السوري على مناطق واسعة انحصر العمل في شمال غربي سوريا، ذلك بسبب التهديد المباشر للمتطوعين وسلامتهم الشخصية على كافة المستويات، ويقوم الآن نحو 3 آلاف متطوع بينهم 230 متطوعة، بمساعدة المدنيين في شمال غربي سوريا ويقدمون لهم ما يستطيعون من خدمات تساعد على الاستقرار..

من أعمال الدفاع المدني السوي/مصدر الصورة:إبراهيم أبو الليث

حجم التضحيات التي قدمها الدفاع المدني

قال أبو الليث كان عمل الدفاع المدني هو إنقاذ الأرواح ومساعدة المدنيين الذين يتعرضون لقصف النظام وحليفه الروسي وتوثيقهم الهجمات، أهم الأسباب التي جعلتهم هدفاً للنظام وروسيا، عبر استهداف المراكز أو استهداف المتطوعين بغارات مزدوجة أثناء انقاذهم الأرواح، ويبلغ عدد المتطوعين الذين فقدهم الدفاع المدني منذ عام 2013 حتى الأن 287 متطوعاً، أغلبهم قتلوا بالاستهداف المباشر أو الغارات المزدوجة أثناء عملهم الإنساني.

من أعمال الدفاع المدني السوي/مصدر الصورة: إبراهيم أبو الليث

الجوائز التي حصل عليها الدفاع المدني

أكد أبو الليث أن الخدمات والروح البطولية للدفاع المدني السوري كانت محط إعجاب وتقدير في المحافل الدولية ما مكن الدفاع المدني السوري من إيصال صوت السوريين للعالم أجمع، ورُشح الدفاع المدني السوري منذ تأسيسه للعديد من الجوائز الدولية وحصل على أكثر من 20 جائزة قدمت من قبل العديد من المنظمات والمؤسسات الإنسانية الدولية حول العالم، وأهمها، تلك الترشيحات كان لجائزة نوبل لثلاثة أعوام متتالية، في عام 2015 و2016 و2017، ومن بين الجوائز التي حصل عليها جائزة الأوسكار عن فيلم “الخوذ البيضاء” على منصة نتفلكس وجائزة نوبل البديلة عام 2017، وجائزة السلام العالمي عام 2016، وغيرها من الجوائز.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.