الخوارج تاريخ وعقيدة (5) – عبد الله بن سبأ وبداية الفتنة

عبد الله بن سبأ وبداية الفتنة – محمد فاروق الإمام

لقد كان لبعض الحاقدين على الإسلام والكائدين لأهله، أشباه رجال أظهروا الإسلام وأضمروا الكفر، الدور البارز في إشعال الفتنة وإذكاء نارها. فقد لعب هؤلاء دوراً مهماً ومن ورائهم قوة خفية تخطط لهم بذكاء ودهاء وخبث. فقد بثوا الإشاعات، وزوروا الكتب على لسان كبار الصحابة وأذاعوها في الأمصار.

وكان على رأس هذه الفئة المفسدة الحاقدة اليهودي “عبد الله بن سبأ”. الذي أخذ يتنقل في بلاد المسلمين فيضل قصار العقول، ويحرض ضعاف الإيمان. فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم بالكوفة، ثم بالشام. فلم يستطع تحقيق مآربه في تلك البلدان، ولم ييأس الحاقد المفسد، بل يمم وجهه شطر مصر، فأقام هناك، وبدأ يحوك ضلالاته بين أهل مصر الحديثي العهد بالإسلام. فيقول لهم فيما يقول: “لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمدا يرجع، وقد قال الله عز وجل: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)، فمحمداً أحق بالرجوع من عيسى”. فقبل ضعاف النفوس ذلك منه، ووضع لهم الرجعة، فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك: “إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمد”، ثم قال: “محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء”، ثم قال بعد ذلك: “من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ووثب على وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتناول أمر الأمة !”، ثم قال للناس: “إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر”.

وبث ابن سبأ دعاته في الأمصار، يدعون في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار كتبا يضعونها في عيوب ولاتهم. وركزوا في كتبهم على المدينة المنورة مركز الخلافة، وأوسعوا الأرض تشهيراً بأهلها، وهم يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون.

ومن ذلك يتضح لنا خطر عبد الله بن سبأ على الإسلام، فهو أول من أحدث القول بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد موته.

وهكذا استطاع عبد الله بن سبأ أن يبث سمومه وأفكاره المضلة في رؤوس بعض ضعاف النفوس وأصحاب الهوى وحديثي العهد بالإسلام.

لقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج، وأشار إلى علاماتهم. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن خالد الجهني أنه كان في الجيش الذي كانوا مع علي رضي الله عنه، الذين ساروا إلى الخوارج.. فقال علي رضي الله عنه: أيها الناس، إني سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول:

“يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. ولو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قص لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لا تكلوا عن العمل.. وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليس له ذراع، عل رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض.. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم..”.. “والله – يقول علي – إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على سرح الناس فسيروا على اسم الله”.

لقد أردت فيما سبق من حديث أن يكون مدخلاً عاماً، وصورة مقربة عن أسباب وعوامل خلاف المسلمين وتصدع بنيانهم، ونشوء فرق الخوارج الذين هم مادة حلقاتنا هذه، التي سنستعرض فيها أحوال الخوارج تاريخاً وعقيدة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.