الخبز بفليفلة على التنور… بصمة نسائية تطوّع الظروف بحثاً عن مصدر للدخل

رغيف تنورنا يعني البساطة والألفة الاجتماعية والتعاون، كما يحمل حنينا إلى وطننا وإلى أحضان جداتنا وعبق أمهاتنا، ورائحة أرغفتنا التي ما زالت تسيطر على أنوفنا باعتباره سيد موائد الفقراء والأغنياء.

الأيام السورية؛ علياء الأمل

بهمة ونشاط تستيقظ الأرملة أم عدي (50) عاما، باكراً مع جهجهة الصباح المترافق مع صوت الديكة لتؤدي فرضها، ثم تعجن العجين استعدادا ليوم مليء بالعمل، ساعية إلى كسب الرزق الحلال لإطعام أولادها وأولاد ابنها البكر؛ الذي استشهد في معركة تحرير أريحا عام 2015 م.

خبرة ورشاقة بالعجن والخبز

أم عدي؛ سيدة نشيطة تعشق عملها على التنور وصناعة الخبز بفليفلة؛ لأنه يدر عليها أرباحا يكفيها ذل السؤال والحاجة، حيث تعلمت عجن العجين ومد خبز التنور وصنع فطائر مختلفة إن كانت بفليفلة أو بالجبنة أو مناقيش الزعتر منذ الصغر، كما تعلمت اللط على التنور في أول صباها، حيث تقف أغلب السيدات معجبات بحركتها ورشاقتها في أثناء بيعها للخبز بفليفلة على مفرق الطريق بين أريحا وإدلب.

وصفة والدتها

تقول أم عدي؛ منذ صغر سني وأنا أرافق والدتي في عملها على التنور، ففي سن الثامنة من عمري تعلمت العجين، كما كنت أساعدها في عمل السنبوسك، وأكثر من مرة عجنت لوالدتي عجينة ذهلت بها بعد أن علمتني المقادير، كما إنني لم أنس كلماتها؛ “مية العجين سخنة بحيث تقبلها أصبع اليد يعني ما بصير تغلي” كما علمتني أن “أزيد الطحين بالماء رويدا رويدا يعني أعجنها كثيرا وأضيف المية شوية وبالتقسيط حتى تصبح متماسكة وطرية فنتركها لتختمر ليلة كاملة”.

خبز التنور يتطلب مهارة وخفة

في الصباح تبدأ أم عدي وأبو حمزة، وهو زوج ابنتها، والذي يعمل معها بتقطيع العجين إلى أقراص دائرية، تقول بشيء من الخبرة؛ “إن خبز التنور يتطلب مهارة وخفة إن كان في تحضير العجين أو تهيئة التنور، والخفة أكثر في لصق الرغيف داخل التنور ثم سحبه بعد نضجه، كما يتطلب ذلك سرعة كبيرة في الحركة بسبب ارتفاع درجة الحرارة داخل التنور، وفي ذلك تتنافس النسوة بإعداد خبزهن إما من حيث السرعة أو من حيث الجودة أيضا”.

وتمعن القول؛ كل ما عجنا العجينة أكثر يكون مدها أسهل وخبزها أسهل، وطبعا حريصين أن تكون تقريصات العجين بحجم متساو، وفي أثناء المد نضع القليل من الطحين على البلاطة الممتدة على التنور، ثم نضع تقريصة العجين ونبدأ بمدها إلى أن تأخذ حجمها الدائري ثم أقف أنا أو من يساعدني على التنور لخبزها.

خبز الصاج على التنور (مراسل الأيام)

تنور أيام زمان

تتم حديثها بالقول؛ “أيام زمان كنا نعمل خبز التنور والخبز بفليفلة مرة أو مرتين بالأسبوع حيث تجتمع جميع نساء الحي بعد أن يحضرن معهن جاط العجين، وهو “وعاء كبير” و”شوبك” وهو الأداة التي نتمكن بواسطتها من مد العجين إضافة إلى كومة من الحطب الناعم الذي يجعل التنور يزلغط زلغطة، كما كنت أفرش أطراف التنور بالسمسم والفليفلة وصحون الزيت والزعتر، وأقوم بدهن بعض الأرغفة منها بالزعتر ومنها بالفليفلة الحمراء الحارة ثم أجهز “الكارة” وهي عبارة عن قطعة قماش دائرية لها جيب بحجم كبير تدخل اليد بالجيب حتى الكوع على مبدأ الكف، وهو كبير نوعا ما نضع عليها خبز التنور ونلصقه بسقف التنور”.

عمل لتأمين مصدر للكسب

تتابع أم عدي، وعند زواجي كان زوجي يؤمن الخبز الجاهز، ولم أكن بحاجة لهذا العمل، ولكن ومع بداية هذه الحرب وجدت نفسي وأولادي بعد نزوحنا من كفروما بحاجة إلى عمل يكفينا شر السؤال؛ فأخذت موافقةً من تنفيذية أريحا الجهة الأمنية الفاعلة بالمنطقة، لبناء تنور على مفرق الطريق الواصل من مدينة أريحا إلى إدلب، ثم بدأت بعمل خبز التنور والفطائر المتنوعة منذ أربع سنوات إلى الآن أي بعد وفاة زوجي وابني.

تضيف أم عدي؛ لا يخلو منزل من وجود تنور قديم، وبقينا متمسكين به لأن الجميع يعد “الخبز بفليفلة” أكلة تراثية؛ وهي الأكلة المفضلة لجميع الأهالي في مدينة إدلب وريفها.

أبو حمزة الشريك والمعاون

يقول أبو حمزة الذي يساعدها في البيع؛ “يلي ما بياكل خبز تنور وخبز بفليفلة ما بيعرف لذة الطعام، صحيح إعداده متعب لكن طعمه لذيذ، وعنا يلي بحب التاني ويعزّ ضيفه يقدم له خبز التنور وخبز بفليفلة”.

يضيف؛ “صحيح هلأ الخبز متوفر لكن عشق الأهالي في إدلب لهذه الأطعمة يجعل البيع رائجا، ويدر علينا ما نكفي به أسرنا”.

يتابع؛ انا ما زلت متمسكا بعادات وتقاليد أهل كفروما، وبريد طعمي ولادي دايما خبز تنور لأنه صحي، كما كانت والدتي تطعمنا إياه، صحيح الآن اعتمدنا على الأفران الآلية يلي بتوفر تعب وجهد على النساء بس الأهالي بتحن لخبز التنور والفليفلة لدرجة نتمنى انقطاع الخبز الآلي حتى تعود النسوة جميعها إلى العجين وإعداد خبز التنور منذ الصباح.

الخبز بفليفلة على التنور (مراسل الأيام)

رغيف تنورنا يعني البساطة والألفة الاجتماعية

بدورها؛ تختم أم عدي حديثها بالقول: رغيف تنورنا يعني البساطة والألفة الاجتماعية والتعاون، كما يحمل حنينا إلى وطننا والى أحضان جداتنا وأمهاتنا، وخاصة ممن ابتعد عن مدينته، فلم تنسه جمال أوربا والخبز الحديث عبق أمهاتنا ورائحة أرغفتنا التي ما زالت تسيطر على أنوفنا باعتباره سيد موائد الفقراء والأغنياء.

أحمد الله كثيرا؛ لأني أشهد إقبالا كبيرا من كافة الأعمار والطبقات على تناول الخبز بفليفلة وعند شرائهم يقولون لي والبسمة تملأ وجوههم رغم آلامهم؛ “والله حنينا لأيام زمان”.

إن التنافس الكبير لصناعة التنانير في الآونة الأخيرة وانتشارها الكبير ورواجها في الريف والمدينة على الطرقات العامة وفي المطاعم يحتم عليّ الاهتمام بمهنتي وتطويرها؛ حتى أؤمن لأولادي كل متطلبات الحياة الكريمة، واثقة بأن الله سيكون معي وسيمدني بالقوة حتى أتمكن من تأمين قوت أولادنا باللقمة الحلال.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.