الحياة قول والصمت موت – بقلم أحمد يوسف

… في ذكرى وفاة جدي يوسف اليوسف

لم أعرف جدي يوسف اليوسف الملقب بالعيداوي إلا شيخا عجوزا، غطى رأسه شعرا ابيضا وخلا فمه من الاسنان. كان جدي يحب العطر لدرجة انه أوصى بأن يسكب منه على قبره. وكان حبه للجمال يجعله يمضي وقتا بترتيب قمبازه المطرز وبتمشيط لحيته. كان جدي كثير الكلام لا يسكت إلا في حالة مرض أو تعب. كان يقول: ليست حياتنا سوى قول وكلام. كان إذا ما مر صديقا له في القرية لا يتركه حتى يشرب عنده كأسا من الشاي ينسيه من خلاله أهله فيقيم عنده شهرا أو شهرين. الحياة بلا صديق مثل أكل الهوا (من الهواء)، هكذا كان يقول. اذا كان لديك ابن تفتخر به فستفتخر به أمام صديق. وإذا عايشت فرحا فستعيشه مع صديق، وإذا أصابتك مصيبة فيخففها حضور ومساندة صديق. الحياة بلا صديق هي حياة بلا معنى. كان كلما مات عجوز من سنه يبكي حتى يكاد يفقد وعيه. في هذا كان يقول: كلهم راحوا يا ابني لم يبق أحد.
لم يعد يعمل عندي شيء سوى اللسان، هكذا كان يبرر كثرة كلامه. وهو رجل جيد الحديث وحسن المعشر؛ فمع النساء هو شاعر، ومع الاطفال هو حكواتي لا توجد قصة إلا ويعرفها، و
مع الرجال حكيم اكتسب الحكمة من تجارب حياته. “الكلام هو كل ما لدي”، هكذا كان يوجز حياته التي عاشها سردا. من حكمه: “البشاشة نصف الكرم”. ولرجل مثل جدي فقير لحد الطفر كانت البشاشة هي الكرم كله بدون زيادة أو نقصان. كان في كل عيد يسقط مريضا مستنفدا كرمه الكلامي الذي لا ينضب. في السياسة كان قليل الكلام فكان لا يقول سوى جملة واحدة: يلعن ابو هالدولة. فبعدما ابتلع العسكر الدولة لم يعد هناك الكثير ليقال. لم يمت جدي إلا وقد ملأ بيته الطيني بالأحاديث عن ذكريات نصفها، وربما اكثر، مختلق حيث لا شاهد على كلام شيخ مثله بعدما مات كل من عاصره. كان جدي في سيرته يمثل جبل الزاوية في قيله وقاله في ماضيه وحاضره. فلم يكن معنى لحياتنا الى أن بدأنا نقولها سردا، رفضا واحتجاجا في ثورة تؤكد في كل شهيد كلام جدي القائل ليست الحياة سوى كلاما وليس الصمت سوى الموت. ولا معنى للحياة إلا بصديق جملة خبرنا عمق فحواها مع كل شهيد فقدناه في ساحات كان يصرخ فيها: سورية بدها حرية. معك حق يا جدي ليست الحياة سوى قول وصديق وإلا كانت مثل أكل الهوا.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.