الحل السياسي في سوريا مغلق الأبواب

ماذا إن فشل الحل السياسي؟ وما هي الخيارات البديلة؟ وهل تملك قوى الثورة والمعارضة بديلاً؟ وكيف يجب أن تحسّن مواقعها فيما لو استمرت في المفاوضات؟ وهل هي قادرة على المقاطعة والانسحاب؟ أم أنها ستبقى مضطرة إلى ممارسة هذا الدور المستهلك؟

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

كانت انتفاضة الشعب السوري مفاحأة لمعظم التوقعات بالنظر لطبيعة النظام القمعي، الإجرامي وما أحدثه من تحوّلات في الشعب السوري، ومن محاولات إخضاع عبر تعميم الخوف المقترن بالقتل والتصفيات والاعتقالات، وحرف خصائص الشعب السوري المهتم بالشأن العام والحراك السياسي بإيجاد عديد التحولات التي تمجّد ” القائد”، وتنمّي الخوف من التعبير عن أي رأي مخالف لمنظومة الأحادية والاستبداد، ونشر الانتهازية والنفاق ومنتجات مجتمعات الاستهلاك، وقد نجحت الانتفاضة بالتحوّل إلى ثورة شاملة شاركت فيها جموع كبرى تجاوزت الملايين.

ـ بدأت الثورة سلمية تعتمد المظاهرات سبيلاً وهي تطوّر أساليبها، وشعاراتها لتنتقل من المطالبة ببعض الإصلاحات إلى شعار إسقاط النظام مخرجاً وحيداً، وطريقاً لبناء نظام تعددي ديمقراطي، مدني عبر مراهنة على ذلك النضال الاجتماعي لإنهاء النظام الذي أخذ يترنّح فعلاً مبشّراً بانهياره التام، وكردّ فعل طبيعي على ممارساته ورفضه الاستجابة لأدنى المطالب ومقابلتها بالقتل والتصفيات.

ـ قوة الدعم الخارجي الذي قُدّم للنظام من قبل إيران وأذرعتها (خاصة حزب الله بدءاً، فتشكيلات الدفاع الوطني التي أشرفت عليها إيران، وعشرات المليشيات) كانت السبب الرئيس لمنع السقوط، وفتح أبواب التدخلات متعددة الأشكال والجهات، خاصة حين تأكدت قوى الثورة بأنها في مواجهة قوى خارجية عاتية تعمل على حرف الثورة وتحويلها إلى صراع مسلح بين فريقين، والعمل على تشويهها بتهم الإرهاب والمذهبية والعمالة للجهات الخارجية.

ـ فرضت الوقائع والمسارات على الثورة استخدام السلاح كدفاع عن النفس، لكنه تطور بفتح الأبواب على شتى أنواع التدخلات الخارجية ومحاولة السيطرة عليه من قبل عديد الدول، ومنع توحيده وإخضاعه لقيادة سياسية بما جعله رهين تلك الجهات التي قررت، خاصة أمريكا، إيقاف الدعم له، وإعلان قرارها بمنع الحسم العسكري.

فرضت الوقائع والمسارات على الثورة استخدام السلاح كدفاع عن النفس، لكنه تطور بفتح الأبواب على شتى أنواع التدخلات الخارجية ومحاولة السيطرة عليه من قبل عديد الدول، ومنع توحيده وإخضاعه لقيادة سياسية بما جعله رهين تلك الجهات.

********

ـ الحل السياسي هو خيار الثورة بالأصل حيث أنه يتلاقى مع طبيعتها السلمية، وهو استراتيجي فعلاً، لكنه الحل الذي يستجيب للأهداف التي قامت الثورة لتحقيها والمتحورة حول إنهاء نظام الاستبداد والفئوية وبناء النظام البديل عبر عملية انتقال سياسي، جاءت كثير من شروطه متوفرة في بيان جنيف 1 (حزيران 2012)، رغم قناعة الثورة بأن النظام بتركيبته ونهجه لن يقدم على أية خطوة يعتبرها تنازلاً وبداية لنهايته، وأنه يعتمد الكلّ الأمني بمساندة مفتوحة من إيران وروسيا، وأن السبيل الوحيد لتجسيد الحل السياسي يكمن في موقف دولي واضح، خاصة من قبل أمريكا، تجبر النظام، ومعه حلفاؤه على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، وهو الأمر الذي لم يحدث.

ـ على العكس من ذلك فالإدارة الأمريكية في عهد أوباما فضّلت الابتعاد عن الحسم وإدارة الوضع السوري من بعيد، وأكثر من ذلك وبدلاً من معاقبة النظام على استخدام السلاح الكيماوي ضدّ الشعب(كما كانت التصريحات لأوباما تعلن ذلك) جرت صفقة بين أمريكا وروسيا تجاوزت ما قيل عن تدمير السلاح الكيماوي للنظام إلى إطلاق يد روسيا في الملف السوري وترجمته في الاحتلال الروسي الذي شكّل العامل الحاسم في تغيير ميزان القوى على الأرض لصالح النظام وفرض ما عرف ب”مناطق خفض التصعيد” التي جرى قضمها وإعادة السيطرة عليها من قبل النظام، وما يعرف بالمصالحات في عدد من المناطق التي فرضتها روسيا مقدمة لسيطرة النظام والمحتل الروسي عليها، وترافق ذلك مع دحرجة على صعيد القرارات الدولية ببصمة رسية واضحة تضعف مضمون بيان جنيف 1، وتخلط الأوراق بفرض دخول منصات متعددة تحت شعار ” توسيع قاعدة التمثيل “.

********

ـ حين وافق الائتلاف على بيان جنيف والدخول بالمفاوضات، بعد أن شهد تباينات واسعة داخله، كان الطرف الوحيد الذي يمثل قوى الثورة والمعارضة، ونتيجة تمسّكه بثوابت الثورة تمكّنت روسيا من إحداث تغييرات مهمة ترجمها القرار الأممي 2254 الذي زحزح مضمون بيان جنيف لجهة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي كاملة الصلاحيات، والدعوة إلى “توسيع التمثيل” في المفاوضات، فكان مؤتمر الرياض 1 الذي أشرك أطرافاً أخرى إلى جانب الائتلاف وتشكيل الهيئة العليا للمفاوضات بواقع تمثيل الائتلاف بحدود الثلث، ثم مؤتمر رياض 2 الذي أدخل كلاً من منصتي القاهرة وموسكو وإضعاف نسبة تمثيل الائتلاف، ومع ذلك لم يتغيّر شيء في المفاوضات التي ظلّت تدور في الفراغ والعبثية، مؤكدة رفض النظام للدخول في صلبها، حتى تلك الإنسانية منها التي تخصّ إطلاق سراح المعتقلين والكشف عن مصير المفقودين، ووقف إطلاق النار، والسماح لقوافل الإغاثة الدولية بالعبور إلى مختلف المناطق السورية، وليس فقط عبر النظام وتحكمه فيها.

********

ـ أمام الانسداد في العملية السياسية، وبهدف إيجاد دينامية ما لتحريكها، ولتبرير بقاء الوسيط الدولي في مهمته خرج ديمستورا بمشروع” السلال الأربعة” وعلى أساس أن تكون سلة الانتقال السياسي ركيزتها وبدؤها ثم الانتقال للسلال الأخرى: محاربة الإرهاب ـ صياغة الدستور ـ الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

ـ مرة أخرى حدثت الدحرجة بتقديم ” سلة الدستور” على غيرها كواحدة من أهم مخرجات ” سوتشي” ببصمة روسية واضحة، وغاب أساس بيان جنيف في تشكيل هيئة الحكم الانتقالي واستعيض عنه بما يعرف بـ “إجراءات بناء الثقة” أو ” إجراءات لتحقيق بيئة آمنة” كان تناولها يحضر ويغيب دون وضعها على جدول المفاوضات.

********

ـ لأسباب كثيرة متداخلة لم يكن أمام ” هيئة المفاوضات السورية” سوى حضور حلسات جنيف وقد بذلت جهوداً كبيرة مضنية على مدار أكثر من عام لتغيير المشروع الروسي بتركيب اللجنة الدستورية، ومهامها، ونجحت إلى درجة مقبولة، وإن ظلّ الأمر شكليا لأن مواقف النظام لم تتغيّر ومن خلفه دعم روسي متواصل، في حين أن الجهات المحسوبة على أنها أصدقاء الشعب السوري استمرت في مواقفها غير الحاسمة، والمبعثرة، خاصة وأن القوة الفاعلة فيها(أمريكا) ظلت في موقع إدارة الأزمة وليس حلها، وتوجيه الجهد الرئيس نحو إيران ووجودها في المنطقة، والاكتفاء بفرض عقوبات اقتصادية على النظام وعديد رموزه، خاصة بعد الموافقة على قانون قيصر وموقعه، لهذا فجولات جنيف الخاصة باللجنة الدستورية لم تحرّك ساكناً في المهام الرئيس لتدور في العبثية واستهلاك الوقت.

ـ الوقائع الراهنة تؤكد أنه لا يوجد حلّ للأزمة السورية في الأفق الراهن إلا إذا حدثت مفاجات غير منظورة للآن بما يعني أن على قوى الثورة والمعارضة ومختلف فعاليات الشعب السوري أن تعدّ نفسها ـ ربما لسنوات ـ وأن تعمل على خط البدائل، أو الرديف والاستناد للحل السياسي.

********

ـ بيت القصيد في العملية السياسية يرتبط بميزان القوى في كل طرف فيه، وهو ليس لصالح قوى الثورة والمعارضة التي لا تملك أوراقاً كثيرة أو استنادات مهمة تكون قوة ضغطها وفعلها، الأمر الذي كان يطرح أسئلة مشروعة من سنوات: وماذا إن فشل الحل السياسي؟؟، ما هي الخيارات البديلة؟؟ وهل تملك قوى الثورة والمعارضة بديلاً بمستوى التحديات والأخطار المحيقة بالبلد؟؟، بل وكيف يجب أن تحسّن مواقعها فيما لو استمرت في المفاوضات شرط التوصل إلى نتائج فيها؟؟.. وهل هي قادرة على المقاطعة والانسحاب؟؟، أم أنها ستبقى مضطرة إلى ممارسة هذا الدور المستهلك الذي لن يثمر شيئاً طالما ظلّت المعادلة الداخلية والخارحية ذاتها؟؟.

********

ـ الوقائع الراهنة تؤكد أنه لا يوجد حلّ للأزمة السورية في الأفق الراهن إلا إذا حدثت ” مفاجات” غير منظورة للآن بما يعني أن على قوى الثورة والمعارضة ومختلف فعاليات الشعب السوري أن تعدّ نفسها ـ ربما لسنوات ـ وأن تعمل على خط البدائل، أو الرديف والاستناد للحل السياسي.

ـ جوهر البديل يتلخص بالعودة للحاضنة السورية عبر برنامج واقعي من شأنه حشد جميع الفعاليات الوطنية ضمن صيغ عملية، في إطار الاصطفاف الوطني، وتغليبه على جميع أنواع التباينات التي هي جزئية، وثانوية أمام المشروع الوطني البديل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.