الحلم الوردي ومعضلة تقبل الآخر

لو كان أصحاب النظارات الزرقاء تقبّلوا الآخر، كما فعلت الفتاة، لو تعاملوا مع الآخر على أنه إنسان وليس خطر يهدد أفكارهم. لو توحّد الاثنان وشاهدا الحياة بعدسة خضراء، نتاج جمع ثقافات الشعبين، لما كانت حرب ولا تدمر بلد ولا قُتل برئ.

195
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

تخيلوا معي الأرض، منذ أول إنسان وجد فيها حتى الآن وبعيداً في المستقبل، كل انسان وُلد أو سيولد، سيكون له يدان، ساقان، أنف، فم، ونظارة شمسية. سيكون لون العدسات أصفر. لا أحد يستهجن هذه النظارات أو يجدها غريبة ومضحكة، لأنها كانت دائما موجودة كأي عضو في جسم الانسان.

ماذا تفعل هذه النظارات.. هي الإيمان، هي القيم، الأفكار، العادات والتقاليد. كل ما يمكن رؤيته، تعلمه أو تجربته في الحياة ـ في الماضي، الحاضر والمستقبل ـ يكون عبر هذه العدسات الصفراء.

على بعد آلاف الكيلومترات، في أرض أخرى، منذ ولادة أول انسان فيها حتى يومنا هذا وإلى المستقبل، سيولد سكانها ولهم يدان، ساقان، أنف، فم ونظارة شمسية ذات عدسات زرقاء.

كانت تعني لهم أيضاً كل القيم، التقاليد والأفكار، كانوا يختبرون كل شيء من خلالها، كانت كأي عضو في جسم الإنسان موجودة لدى الجميع لا يمكن لأي أحد أن يراها شاذة.

في يوم ما قرر رحالة من أرض النظارات الصفراء الذهاب الى الأرض الأخرى، واكتشافها، لكثرة ما سمعه عنها. لكنه لم يلق أي ترحيب من الشعب الأخر، بل حتى قوبل بالكثير من الاضطهاد بسبب نظارته الصفراء. شعروا أنه غريب عنهم ويتوجب عليهم الدفاع عن أرضهم وعاداتهم وأفكارهم من هذا الدخيل. ولكن فتاة ترتدي نظارة زرقاء لم تشعر مثلهم، لم تره كما رآه شعبها لوناً مختلفاً وحسب، بل رأته إنساناً. لقد أحبها الرحالة وطلبها من والدها، لكن طلبه قوبل برفض قاطع.

عاد الرحالة الى بلده حزيناً وحكى لقومه عن رحلته، ولكن طريقة المعاملة التي تلقّاها هناك، لم تعجبهم وقرروا إعلان الحرب بين البلدين. وبالفعل قامت الحرب وأكلت الأخضر واليابس. لقد تدمر البلدان بشكل كامل، لم يبق فيهما بشر ولا حجر ولا شجر. ولكن كان هناك ناجيين اثنين فقط… عدسة صفراء وأخرى زرقاء.

ما حدث في هذه القصة يذكرني بالحرب في وطني، بكل الدمار الذي حصل ويحصل، بكل الناس الذي قتلت وتقتل. لماذا؟! بسبب كرسي.. نعم كرسي.. الرئيس السوري يقتل شعبه، ويدمر بلده، لرغبته بالبقاء على كرسيه.

لو كان أصحاب النظارات الزرقاء تقبّلوا الآخر، كما فعلت الفتاة، لو تعاملوا مع الآخر على أنه إنسان وليس خطر يهدد أفكارهم. لو توحّد الاثنان وشاهدا الحياة بعدسة خضراء، نتاج جمع ثقافات الشعبين، لما كانت حرب ولا تدمر بلد ولا قُتل برئ.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.