الحلاق في التراث والأدب.. طابور خامس غير مباشر

في العصر الحالي لم تعد تلك الصورة الكلاسيكية عن الحلاق حاضرة كثيراً، ربما لأنّ البشر بأسرهم أضحوا أكثر ثرثرة، فأصبح الطبيعي أن يمتلك الجميع صفات الحلاق، لكن تبقى النظرة الأدبية والثقافية لهذه المهنة، موضع تشكيك وجودي وحضور اجتماعي محترم.

الأيام السورية؛ خالد علوش

– إنه رجل طيب.
– أجل، لكنه حلاق!.

هذه واحدة من حواريات بلزاك في ملهاته الإنسانية، وواحدة من أهم الأفكار الأدبية التي تناولت المهن البشرية ضمن سرديات الأدب ومواقف الأدباء منها. لماذا الحلاق في الأدب العالمي هو شخص.. ليس جيداً!.

في موضع آخر تُحدّثنا شهرزاد عن “حلاق بغداد” التي أوضحت من خلال قصتها أنّ مغامراته ووقوعه في المشاكل ونجاته منها، سببه طول لسانه وثرثراته وطمعه وفضوله.

وتحدثنا الأساطير الإغريقية عن قصة الملك ميداس الذي تم تحكيمه بمسابقة للعزف، فخسر أبولو بقرار ميداس مما جعله ينتقم من الأخير بجعل أذنيه كأذني الحمار، لكنّ حلاق ميداس لم يستطع كتم السر، فذهب إلى تل، وحفر حفرة وأفرغ سره فيها ثم ردم الحفرة، لكن بعد فترة نبت قصب عليها فأخذت الريح تنثره كلما هبّ، فعلم جميع سكان المدينة: “للملك ميداس أذني حمار”.

لدى الاسكندنافيين القدماء لا يُعتبر الحلاق سوى عاملاً لتزيين النساء، ولا يُسمح بأخذه إلى المعارك، ولدى القبائل الإفريقية الفودوية، هو صلة الوصل مع العالم الماورائي الشرير لأنه يمتلك الأدوات الحادة التي تطهّر الجسد البشري من أي تدخل غيبي سلبي.

لذا فكان الحلاق لدى الإغريق مرتبة وضيعة لأنه موصوم بالثرثرة، وكان الشعر الكثيف وبالأخص اللحى الطويلة دليل على الحكمة الإغريقية.

وطبعاً، قصص الحلاقين في التراث الشعبي والسير العالمية لا تنتهي، فلدى الاسكندنافيين القدماء لا يُعتبر الحلاق سوى عاملاً لتزيين النساء، ولا يُسمح بأخذه إلى المعارك، ولدى القبائل الإفريقية وبالأخص الفودوية، هو صلة الوصل مع العالم الماورائي الشرير لأنه يمتلك الأدوات الحادة التي تطهّر الجسد البشري من أي تدخل غيبي سلبي، لذا فلم يكن له اجتماعياً أي حضور متبادل مع المجتمع الطبيعي.

طبعاً يرفض بعض الباحثين – وخاصة الأثريين – في تاريخ المهنة، هذه القصص الأدبية والثقافية الأسطورية على أنها انعكاس للواقع الاجتماعي والثقافي في تاريخ المجتمعات، وبأنّ سردها هي مواقف شخصية من مؤلفيها وتحامل تهكمي منهم، ويقدّم الباحثون دلائل على احترام هذه المهنة التاريخية من خلال تواجدها في التاريخ القديم، من خلال اكتشاف أثري يعود للقرن الثاني قبل الميلاد في منطقة سوبار في العراق، وهو محل حلاقة نسائي عام، أي أنه لعامة الناس وليس خاصاً لسيدات الملوك والأمراء.

وأيضاً لدى الفراعنة، حيث يُدفن الملك مع حلاقه ومع أدوات الحلاقة كي يعتني بنظافة جسده في عالم ما وراء الموت؛ وإن كانت الاكتشافات الأثرية صريحة في هذا الجانب، لكنها لا تُلغي المرتبة الخدمية الخاصة لأشخاص بعينهم، أي أنّ الحلاق كطبقة اجتماعية هي ثانوية أمام مهن أخرى كان لها حضور قوي جداً.

في مجتمعاتنا وبالأخص القديمة نوعاً ما، أي منذ ثلاثين عاماً وما قبل، كان الحلاق يمثّل بمفرده فرعاً للمخابرات، لديه معلومات هائلة عن كل شخص في حيّه، تشعر وكأنه طابور خامس.. فمثلاً قد يعلم بأنّ زوج ابنة أختك قد اختلفت مع زوجها من أجل أكلة سمك، وأنت أصلاً قد لا تعلم من هو زوج ابنة أختك! إنه يمتلك تفاصيل تفوق الخيال، يمارس الثرثرة والنميمة أحياناً، فلم يكن يحظى بحضور اجتماعي مهم لأنّ فكرة الرجولة تاريخياً لها مقومات الصلابة والتحمل والصمت، إنها أقرب للكاريزما الإلهية، وهو ما لم يكن يتوفر في تلك المهنة من تبادل المعلومات والقصص والحكايات.

نقطة أخرى وهي أنّ الحلاق لم يُذكر سوى في الأدبيات المتخيّلة أو التراثيات، فهو لم يتم ذكره مثلاً في الأدبيات الدينية، مثل غيرها من المهن كالخباز والحداد والنجار، بالرغم أنّ الديانات تهتم بفكرة النظافة والتجمّل، وربما الذكر الوحيد وغير المباشر كان في سورتي البقرة 196، والفتح 27، وهي أمر بحلق الرأس أثناء مناسك الحج، لكن لا وجود للمهنة كمعنى تفصيلي.

طبعاً لليوم وللأبد ستبقى هذه المهنة قائمة، وما استعراضها هنا بشكل سريع، سوى لتركيز على نقطة صغيرة في الثقافة الجمعيّة العالمية والشعبية عن السبب.. لماذا لم يتم ذكر هذه المهنة وأصحابها إلا بطريقة سلبية وتهكمية!.

في العصر الحالي لم تعد تلك الصورة الكلاسيكية عن الحلاق حاضرة كثيراً، ربما لأنّ البشر بأسرهم أضحوا أكثر ثرثرة، فأصبح الطبيعي أن يمتلك الجميع صفات الحلاق، لكن تبقى النظرة الأدبية والثقافية لهذه المهنة، موضع تشكيك وجودي وحضور اجتماعي محترم.

فعندما نقول بأنّ الحلاق لا يحظى بحضور اجتماعي في مجتمعاتنا المتأخرة قبل خمسين عاماً على سبيل المثال، فهو ليس شيء خاص بثقافتنا، فعندما يذكره بلزاك في ملهاته أو لاكرغفيست في القزم أو بوكاشيو في الديكاميرون أو في القصص الشعبية لغجر بلغاريا والسلوفاك والرومانيين وحتى في التراثيات العربية والشرقية عموماً، فهو موقف عالمي من هذه المهنة كمعنى ثرثرة متناقلة وعدم ائتمان أصحابها.

طبعاً لليوم وللأبد ستبقى هذه المهنة قائمة، وما استعراضها هنا بشكل سريع، سوى لتركيز على نقطة صغيرة في الثقافة الجمعيّة العالمية والشعبية عن السبب.. لماذا لم يتم ذكر هذه المهنة وأصحابها إلا بطريقة سلبية وتهكمية!.

صورة الحلاق في الفن التشكيلي(فيسبوك)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.