الحكم الإلهي والوعي البشري.. كيف سيحاسب الله نظميّة زوجة الأدعشري؟

لا بد لي من أن أشكر نظميّة، زوجة الأدعشري، لأنّ السؤال الذي ساهمت بصعوده إلى رأسي قد أخرجني من أزمتي النفسية الاكتئابية لاحقاً وأعادني للحياة؛ كيف سيحاسب الله نظميّة على صمتها حول شهادتها بشأن قاتل؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

خلال حياتي بأسرها دائماً ما كنت مقتنعاً بنظرية – سخيفة بنظر العقلانيين – مفادها: إذا ما تعرّضت لأي نوع من الضغط النفسي، وأصابك أي نوع من الاكتئاب أو النوستالجيا أو أعراض نفسية حادة نسبياً، فما عليك سوى أن تمارس التفاهة لأقصى حد، حينها ستنجو. وبشكل شخصي دائماً كانت تلك النظرية تعينني على تجاوز أزماتي، بل بالمعنى العميق، تعيد تشكيل آلية تفكيري وتخلق مني شخصاً آخر. إن التفاهة المُدركة والاستمتاع بها بحماقة، تنقذنا حقاً.

في وقت كنتُ أعاني نوعاً من اكتئاب ناتج عن مجموعة تفاصيل غبية (قليل من وطن على قليل من عاطفة على قليل من أصدقاء)، لم يكن أمامي من خيار لإنقاذ نفسي سوى أن أمارس نظريتي، وهي البحث عن أتفه شيء يمكن لي فعله؛ وبالفعل لم يكن أمامي سوى باب الحارة، فلا أعتقد يوجد ما هو أتفه من ذلك!.

وفي إحدى حلقات المسلسل، تموت نظميّة زوجة الأدعشري، وبالطبع الأدعشري هو قاتل حارس باب الحارة (أبو سمعو)، والشاهد الوحيد على مقتله كانت نظميّة، لكن نظميّة تموت وتخفي معها السّر، لم تستطع أن تقول كلمة حق، لأنّ الرعب الذي كانت تعيشه مع شخصية الأدعشري كوحش متحرك لا يسمح لها أن تكون بتلك الشجاعة.

قبل الحديث حول الأمر، لا بد لي من أن أشكر نظميّة، لأنّ السؤال الذي ساهمت بصعوده إلى رأسي قد أخرجني من أزمتي النفسية الاكتئابية لاحقاً وأعادني للحياة؛ كيف سيحاسب الله نظميّة على صمتها حول شهادتها بشأن قاتل؟

إنّ قانون الله في عقاب البشر واضح: ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين النساء 14. بمعنى القاتل معروف مصيره سلفاً، لكن ما هو مصير الصامت حول متعدِّ حدود الله؟.

إنّ قانون الله في عقاب البشر واضح: “ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين” النساء 14. بمعنى القاتل معروف مصيره سلفاً، لكن ما هو مصير الصامت حول متعدِّ حدود الله؟.

الكثير من الفقهاء حددوا بشكل غير مباشر صفة الصامت عن المعتدي على حدود الله، يقول ابن قيّم: “أي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك وحدوده تضاع ودينه يترك! وسنة رسول الله يرغب عنها! وهو بارد القلب ساكت اللسان، شيطان أخرس، كما أن من تكلم بالباطل شيطان ناطق”.

كما أكّد ذلك عدد من الفقهاء كابن تيمية، والنووي، وأبو علي الدقاق النيسابوري الشافعي، الجميع أعلنوا صفة المعتدي على الحدود، وهو شيطان، والشيطان معلوم مصيره وحكمه في الدين. بالإضافة أن الصامت على الاعتداء على حدود الله، هو معتدي أصلاً على حدود الله بصمته، بمعنى هو مشارك بمعرفة ما أعلنه الله حداً لا يجب تجاوزه.
إذا فالساكت على اعتداء حدود الله لا يختلف مصيره عن مصير المعتدي على الحدود من حيث البُنية، إذاً حكم نظميّة بين يدي الله يعادل تماماً حكم الأدعشري القاتل عندما يكون بين يدي الله. لكن لحظة، هل هذه المحاكمة الإلهية عادلة؟.

الوعي البشري يتعامل دائماً بحدود البيئة التي ينشأ بها، بمعنى جميع الناس (عباقرة وأغبياء) يعلمون بديهيات المعصية، فمثلاً قتل النفس بغير حق معلوم مصير فاعله، لكن كلما تعقّد التفقّه أصبح الوعي يحتاج مساحة أكبر لفهمه وفهم أحكامه، فالساكت مثلاً على معتدي على حدود الله يحتاج وعياً أعمق ليفهم الحُكم.

نعود إلى نظميّة، هي امرأة بسيطة، أميّة، تفهم الدين والله كعبادة تقليدية (مثل ملايين غيرها يشبهونها في تلك الفترات) من صلاة وصيام وخضوع لرجل لأنه قوّام عليها. وعيها لا يملك أكثر من ذلك، فهل يحق لله الذي طرح قانون المحاكمة الواضحة للشاهد على معتدي الحدود، أن يُنفّذ حكمه على كائن لا يعي الأمور الأكثر تعقيداً على وعيه؟

كل ما نعلمه عن الدين والأحكام والله هو زائف ويقوده مجموعة من الأشخاص، وأما الأحكام حقيقية وثابتة وراسخة وتنفّذ على الجميع حتى لو كان الشخص غبي أو غير مدرك للأمور.

بمثال آخر، فلنفترض هناك شخص انتحر بعد سن الرُشد، لكنه في لحظة الانتحار لم يعلم أبداً، ولم يخبره أحد أبداً، ولم يقرأ أبداً، أن حكم المنتحر هو خلود في الجحيم. حكم الله ثابت وواضح وأبدي، لكن المنتحر لا يعلم، فهل يحق لله أن يدخله في الجحيم الأبدي؟

إذاً هناك مشكلة وجودية بين حكم الإله القطعي وبين الوعي البشري اللا-مدرك للأمور. فإما ألا يكون هناك أحكام ثابتة من العقاب الإلهي، وعملية ترويجها هي عملية تسيسيّة للدين قام بها المتفقهون، وبالتالي كل ما نعلمه عن الدين والأحكام والله هو زائف ويقوده مجموعة من الأشخاص، وأما الأحكام حقيقية وثابتة وراسخة وتنفّذ على الجميع حتى لو كان الشخص غبي أو غير مدرك للأمور، وعليه تصبح المحاكمات للبشر غير عادلة إطلاقاً، فليس منطقياً أن تحاكم شخصاً على شيء لا يعلمه.

نظميّة هي نموذج من مليارات من البشر، في جميع الأديان وقواعدهم وأحكامهم الخاصة بهم، والقائمون بالتفقّه مجبرين على تفسير هذه المعادلة البديهية للإنسان اللاواعي لأحكام الله الأكثر عمقاً وتعقيداً، فمن غير الأخلاقي أن يحاكم البسيط على أحكام ثابتة لا يدركها، ويذهب لمصير سيء، فقط لأنه إنسان يتحكّم بمصيره مجموعة من الذين نصّبوا أنفسهم عليه كأوصياء مختارين بينه وبين الله.

وبما أنّ الله أبدي وخالد وعادل وحليم بعباده، فتصبح المعادلة بأنكم كمتفقهين عبارة عن حمقى كاذبين، وعليه يجب إسقاطكم من مكانتكم التي تخدعون بها الناس، وإن قلتم غير ذلك، فأنتم إذاً تصفون الله باللاعدالة، وهنا لا شأن لنا سوى أن نقول بأنه يجب إسقاطكم أيضاً لأنكم تعتبرون أنفسكم أهم من الله.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.