الحقيقة الضائعة بين المجاملة والتطرف

بقلم: د. عامر القوتلي

المجاملات الوطنية، الديبلوماسية البرغماتية الخادعة، المبالغة المتطرفة و الضبابية، هل ذلك ما نحتاجه فعلا لإيجاد حل وطني للسوريين؟
أليس الصدق مع الذات و وضوح الرؤيا هو ما نحتاجه حقا ؟
ينحاز الجواب البديهي بشكل واضح نحو الصدق و الوضوح و نجد أنفسنا في مواجهة قضية جوهرية و حساسة نابعة من صميم واقع الأزمة السورية تتعلق بفهم حقيقة الصراع الطائفي.
في الحقيقة و بعد كل ما عاناه الشعب السوري و بعد كل تضحياته ليس من الأمر اليسير مواجهة هذه القضية و لا نملك سوى العقلانية لنجد الجواب الأصح و الطريق الأقصر و الحل الأسلم لرفع المعاناة عن الشعب الجريح المنهك. فعسى أن نجد بالتحليل الموضوعي و بتبني الافكار الايجابية البناءة حلا لمشكلات عميقة افرزها واقع الأزمة مكرسا عقدة الصراع الطائفي العويصة التي أربكت الثورة وما زالت تربكها و تهدد نجاحها.
لنأخذ هنا الصدام مع الطائفة العلوية لأنها القضية الأبرز التي لها صلة بالواقع السوري و من دونها لما كان لمصطلح “الصراع الطائفي” وجودا في سوريا هذا على الاقل ما أجمع عليه حتى الآن أغلبية السوريون مع تجنب الدخول في بارادوكس ممارسات الجماعات الإرهابية الدخيلة على مكونات الشعب السوري.
فإن الواقع ينفي وجود صراع طائفي بسوريا و يطرح بديلا عنه وجود نضال ضد طائفة سلطوية.
وحتى لا يستهجن أحد هذه الرؤيا و لكي تدخل في حيز الحقائق الثابتة المقنعة للمنشقين عن سلطوية طائفتهم كما للمناضلين من أجل الحرية يكفي أن نراجع ببساطة متطلبات النظام و نقارنها باهداف الثورة.
فمنذ اللحظة الأولى حتى يومنا هذا من وجهة نظر النظام الشرط اللازم و الكافي لحل الصراع و الأزمة هو بقاء رأس النظام و الهيبة القمعية للطائفة السلطوية.
فجاء تبني مقولة (من يقوم بنصف ثورة يكون قد حفر قبره بيده) كرد فعل ثوري طبيعي لهذا التعنت السلطوي القهري.
بينما من جهة الثورة كانت المطالب بسيطة للغاية حتى يمكن وصفها الى حد بعيد بالبديهية و العفوية وبدأت بمطلب واحد (حرية) ثم اضطرت مع القمع الى رفع السقف شيئا فشيئا (حرية للأبد) حتى وصلت الى راس النظام و مع المزيد من العنف وصلت الى صدام كامل مع الجيش و هنا وجدت الثورة نفسها بطبيعة الحال المتردي في صدام دموي غير مقصود مع ” الطائفة السلطوية” فأين الدين و العقيدة في كل هذا!؟
كان من المفترض أن يغلب على الطائفة الحس الوطني وهذا ما راهن عليه الكثيرون من خارج الطائفة بلاضافة الى القلة المهمشة من أبناء الطائفة ولكن للأسف كانت هذه قراءة خاطئة للواقع.
الواقع المر الذي تم لمسه لاحقا و لم يكن من السهل التعبير عنه بشكل دقيق و واضح ليومنا هذا.
على الاقل يمكن اختصار هذه الحقيقة بنتيجة أننا أمام “طائفة سياسية سلطوية” حملت معها منذ أكثر من أربعة عشر قرنا خلافا سياسيا معلبا بمفاهيم دينية .
فبعيدا عن الدبلوماسية الخادعة و المجاملات الوطنية ونبذا للتطرف الهالك المهلك يمكن لكل عاقل القول:إن كل من كان وطنيا بمواقفه كان قد انشق بشكل طبيعي عن النظام و بطبيعة الحال عن “الطائفة السلطوية” و لم يطلب منه أحد تغيير معتقده و ما زال “مؤمنا علويا” ودائما يبقى السؤال أين الصراع الطائفي في كل هذا؟
و هنا لا بد من التحفظ الشديد و لفت النظر الى أنه رغم القبضة الحديدية من قبل الطائفة السلطوية و على الرغم من تمكنها من اخضاع المجتمع بأسره ماديا و التسلط على مقدراته و العبث بوجدانه من خلال نشر الفساد و قتل الثقة بين الأفراد الى ما هنالك من تخدير للعقول و تعطيل لمؤسسات المجتمع المدني فإن الشعب السوري لم يبشر يوما بالملة العلوية و بالتالي فهو لم يرفضها حتما.
لم تسعى هذه الطائفة يوما للتبشير بعقيدتها ولم تسجل يوما دعوة لانضمام إليها لأنها في الحقيقة لا تسعى إلا للسلطة و التسلط.
و لذلك فإن الصدام الاساسي اليوم في سوريا مع الطائفة العلوية هو صدام سياسي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وليس صداما دينيا و عقائديا . باستثناء ما سجله النظام في تاريخه من قمع للممارسات الدينية “الطبيعية والروتينية ” للأكثرية المعتدلة وذلك بحجة حربه على الجماعات المتطرفة منذ ثمانينيات القرن الماضي فإن حرية الفكر والتدين والعقيدة في بلادنا مكفولة عبر آلاف السنين من خلال التعايش و المحبة وصلات القرابة بين مختلف الشعوب و الأديان. هذه الحرية كفلها المجتمع لم تحتاج بيوم لمن يكرسها وليست هي اليوم بحاجة الى هذا الصراع الدموي الغير مسبوق.
للأسف هذا التسلط الطائفي (الغير مسبوق) كان قد جاء بعد استقلال سوريا دخيلا ومتسلقا على تاريخ طويل من التضحيات و التجارب الجدية من الشعب السوري العظيم للنهوض بدولة ديمقراطية حديثة و متطورة فلعل هذا هو المبرر التاريخي الذي يتبناه جميع أصحاب النوايا الحسنة والأهداف الوطنية للتمسك بعلم الاستقلال كنقطة علام مشرفة بتاريخ الوطن ومشرقة بالتكامل و المساواة بين أبناء وطن واحد تعود أصولهم لمختلف الأديان و الطوائف و الشعوب.
إن الحقائق الموضوعية تؤكد على أن الثورة السورية هى ثورة حرية اصطدمت بالحديد و النار من قبل نظام استتر خلف طائفة عملت على حصر السلطة و القوة العسكرية بين أفرادها خلال عهدها القديم. ثم في عهد رأس النظام الجديد الذي سعى نحو تطوير و تحديث آليات السطوة على المجتمع فلم يكتفي بالسلطة و القوة العسكرية ولكن وقع في فخ الطمع بالسطوة على التجارة و الصناعة و مغازلة المجتمعات المخملية خارج الوطن قبل داخله! مبتعدا كل البعد عن طبقة الكادحين و الصابرين (من أبناء الطائفة و من غيرهم من أبناء الوطن) فكانت الفتيل الذي أدى الى اشعال الثورة.
و ليس فقط للتذكير بان الطائفة السلطوية جاءت لحكم سوريا متسلقة على اكتاف الكادحين ضد الرأسمالية و الاقطاعية و لكن أيضا للإشارة الى التناقض الفكري لدى هذه الطائفة السلطوية المتجهة بلا هوادة نحو نموذج رأسمالية العالم الثالث و الدول المتخلفة.

من جانب آخر و من أجل فهم التماهي بين النظام والطائفة وكشف من هو جزء من النظام ولكنه لا يمت للطائفة بصلة لا بد من إمعان النظر بمؤسسات الدولة التي ما زالت مستمرة في عملها لأكثر من خمسة أعوام رغم نزيف الدم السوري و رغم نزوح وتشرد و لجوء أكثر من نصف الشعب السوري ورغم تدمير معالم مدن سورية بأكملها.
فلكي ننفي حقا عن الثورة تهمة الطائفية أما آن الأوان فتح ملف علني وواضح بحق أولئك المستترين بين دهاليز النظام و المستفيدين من الصراع الدائر على الجهتين؟
ما هى المهلة لقبول آخر دفعة من المنشقين عن النظام أو المتبرئين عما أجمعت عليه الطائفة؟
في الواقع هنالك الكثير من الاسئلة التي بمجرد طرحها نكون قد خطينا خطوة إيجابية واسعة نحو إيجاد الحلول.
يجب على الثورة أن تعي جيدا أنها و منذ اللحظات الاولى من الثورة في مواجهة مع مؤسسات الدولة التي تعمل لصالح النظام من جهة و لصالح الفردية و الانانية من جهة أخرى .
فحتى يومنا هذا لم تستطيع أنهارا من دماء السوريين المهدورة من كلا الطرفين أن توقف هدير القرارات و القوانين والتشريعات و المراسيم الطائشة التي أوصلتنا الى ما نحن عليه.
ان تجريم “مؤسسة” الجيش الغير وطني لوحدها من دون التلويح بالمحاسبة العقلانية أو حتى عدم إلقاء اللوم على باقي مؤسسات الدولة سيطيل الى قبل “ما لا نهاية” من عمر الأزمة. كما ان تحميل العبء كاملا و بث روح الكراهية على الطائفة “السلطوية” الغير وطنية دون الاشارة الواضحة لباقي الشركاء و اهمال المواقف المشرفة ممن غلبت وطنيتهم على طائفيتهم السلطوية فهذا بلا شك سيزيد من عمق الأزمة و يشوه روح الثورة و جوهرها كثورة حرية.
و في النهاية لن يصح إلا الصحيح فالشعب السوري الثائر هو شعب عريق حملته أصالته دوما عبر التاريخ للتوجه نحو الخير و التراحم الانساني و هو اليوم أكثر اصرارا على بناء دولته الحديثة و إزالة الانقاض وطوي صفحة الطوائف السلطوية من تاريخه حتى يتمكن من جديد من إدارة موارده البشرية بشكل عادل منطلقا نحو شمس الحرية.
بقلم الدكتور عامر القوتلي
باحث وأكاديمي

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.