الحقوق والحريات في زمن «كورونا»

16
بقلم: محمد عايش

في هذا المقال، يستعرض الكاتب محمد عايش، بعضا من إجراءات الأنظمة العربية لمكافحة انتشار فيروس كورونا، وما رافقها من انتهاكات لحقوق الإنسان، الأمر الذي يدعو للتخوف من أن تستغل هذه الأنظمة المرض، لتسرب طرائق قمع جديدة، ولكي نتعرف على تلك الإجراءات والتخوفات؛ نقرأ معًا

أصبح واضحاً أن بعض الدول العربية استغلت حالة الخوف والهلع من فيروس «كورونا» والخشية من انتشاره، لتفرض على شعوبها مزيداً من القيود الصارمة التي لا علاقة لها بجهود الحد من انتشار المرض، وتمارس انتهاكات لحقوقهم، وتعزز من قبضتها الأمنية، بينما عمدت أنظمة سياسية أخرى لاستثمار المرض سياسياً، والسعي لاستخدامه في دعاية للنظام والجيش والأشخاص القائمين على الحكومة.

خلال الأيام والأسابيع المقبلة قد نجد أنظمة عربية تتخذ قرارات، وتتبنى سياسات لم تكن تجرؤ على اتخاذها لولا حالة الخوف والهلع من «كورونا»، وهو ما يُفسر لماذا ظلت بعض الدول صامتة تماماً حيال المرض، بل تنكر وجوده حتى استنفرت فجأة، إذ أن ما حدث هو أن قراراً تم اتخاذه بالاستفادة على المستوى السياسي من هذه الأزمة العالمية الصحية والإنسانية.

من المؤكد طبعاً أن أغلب الإجراءات التي اتخذتها الدول العربية ودول العالم الأخرى كانت تهدف لتطويق الفيروس ومحاربة المرض، ولا شك في ذلك، إذ لا توجد دولة تقبل بانتشار الأوبئة، ولا نظام سياسي يتغاضى عنها، لكن ما حدث في بعض الدول العربية هو أنها بالغت في استثمار الخوف الشعبي، بل إن بعض «الجيوش الإلكترونية» على الإنترنت انشغلت في الترويج لأنظمتها السياسية على أساس أنها تخوض «أم المعارك» ضد فيروس «كورونا».

ومن نافلة القول هنا أيضاً التذكير بنظرية «ميكافيللي» التقليدية والمشهورة، التي تقول للحاكم إنه «في حال كنتَ بحاجة لمزيد من التأييد الشعبي الداخلي، فما عليك سوى أن تفتعل عدواً خارجياً يُشعر الناس بالتهديد، ففي هذه الحالة سيكون رد فعلهم هو الالتفاف حولك وتأييدك في مواجهة ذلك العدو، والتخلي عن معارضتك، بل التخلي أيضاً عن كثير من حقوقهم في سبيل تأمين أنفسهم، لأن الإنسان بطبيعته يخاف من المجهول ويخشى من أي تهديد خارجي غريب يأتي إليه».

نفهم خطورة الفيروس والمخاوف من العدوى من انتشار الوباء، لكنَّ الدول التي تريد حماية شعوبها من المرض لا تقتلهم بغيره.

ما نخشاه أن تكون بعض الأنظمة العربية قد وجدت في فيروس «كورونا» فرصة تاريخية لا تتكرر، من أجل تمرير ما تريد من سياسات، بما في ذلك تكريس القبضة الأمنية، فضلاً عن أن الوباء المعدي جاء ليوقف الاحتجاجات في بعض الدول، والمطالب بإصلاحات في دول أخرى، بل ظهرت هذه الدول على أنها تقود حرباً مقدسة من أجل إنقاذ شعوبها، وتستخدم الجيوش والقوات المسلحة من أجل الانتصار في هذه الحرب، ولذلك فما على الشعوب سوى الالتفاف حول النظام والقبول بما يفعل.

نفهم خطورة الفيروس، ونتفهم القلق العام، والمخاوف من العدوى من انتشار الوباء، لكنَّ الدول التي تريد حماية شعوبها من المرض لا تقتلهم بغيره، والنظام الذي يريد فرض إجراءات لمحاصرة الفيروس وتطويقه، لا يقوم بمحاصرة شعبه وتجويعه، وفي كل الحالات سواء الحرب أو السلم، أو الجوع أو المرض، أو غير ذلك فإنه لا يجوز انتهاك حقوق وحريات الناس وتقييدها، بل تتوجب رعاية هذه الحقوق وحمايتها.

خلال الأيام الماضية جنحت بعض الدول العربية إلى جملة من الإجراءات العرفية، كما جنحت بعض أجهزة الأمن والأجهزة العسكرية إلى ارتكاب بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية، فضلاً عن أن ثمة شكا كبيرا في جدوى بعض الاجراءات أصلاً من الناحية الصحية؛ ففي بعض الدول تسببت الإجراءات الحكومية في اكتظاظ أكبر وتدافع في الأسواق واختلاط أوسع بين الناس، ما يعني أن تلك الاجراءات تسببت بانتشار الفيروس بدلاً من تطويقه ومحاصرته.

والخلاصة هنا هي أن اتخاذ إجراءات لمكافحة «كورونا» مطلوب بكل تأكيد، وإلزام الناس على التباعد وتقليل المخالطة للحد من المرض مقبول ولا غبار عليه، لكن يتوجب عدم استغلال الخوف والهلع من هذا المرض لتحقيق مآرب سياسية، ويتوجب على الدوام الحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم وإنسانيتهم وكرامتهم، والحرص على عدم ارتكاب أي انتهاكات، فمن يريد حماية الناس لا يقوم بحمايتهم من ناحية وإيذائهم من الناحية الأخرى.


محمد عايش، كاتب وصحفي فلسطيني.

مصدر المقال منشور في صحيفة القدس العربي بتاريخ 23 أذار/ مارس 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.