الحرية لا تنتهي بالخراب والثورة لا تأكل أبناءها

الأيام السورية؛ خالد المحمد

ربما من الأمور التي ترددت كثيراً أنّ من أهم الأهداف التي أرادها النظام العالمي الجديد، تطبيق مفهوم الفوضى الخلاقة والتحالفات الدولية في سوريا، وإنهاء تيار الربيع العربي وموضة الحرية والديمقراطية التي عزمت الشعوب العربية على ارتدائها، وخلع الأنظمة التي نصّبها النظام العالمي سواءً بنسخته القديمة أو الجديدة.

وباتت التجربة السورية ومشاهد الدمار والخراب فزاعة تُخوّف بها بعض الأنظمة التسلطية والانقلابية شعوبهم، في حال سمحوا لمخيلاتهم بمجرد التفكير بالثورة والتغيير واشتمام روائح الحرية التي سيجعلون منها غباراً على أنفاسهم وحياتهم.

وعاشت ظلال الأزمة السورية واليمنية وقريباً منها الليبية التي تحولت ثوراتها إلى حروب داخلية ونزاعات مسلحة لا تنتهي ومآسي لم تعشها الشعوب في الحروب العالمية، جعلت شعوب المنطقة العربية تعيش حالة صدمة لا تنتهي وحيرة هل ما كان ربيعاً عربياً أم دماراً عربياً.

ولم تكن النتيجة توقف الربيع العربي فحسب، بل ثورات مضادة استطاعت الإطاحة بالتغيير الذي حدث وقلب الحرية والعودة إلى أسوء مما كان في بعض بلدان الربيع العربي، هذا الهدف الكبير الذي وضعته المنظومة العالمية واختارت قلب الطاولة على الثورات الشعبية وعسكرتها وتدمير وتشريد من قام بها للإطاحة بالفكر الثوري في المنطقة ربما تلاشى وانتقلت الصدمة له بعد أن كان من تسبب بالصدمة.

فاليوم لا زالت شعوب عربية تنزل إلى الشارع ولا زالت صيحات “الشعب يريد إسقاط النظام” تولد في شوارع الجزائر ومصر وساحات لبنان والعراق، وملايين يتظاهرون رغم الآلاف الذين استشهدوا في سوريا واليمن وليبيا ومشاهد الخراب والضياع فيها، لا زالت كلمات الحرية تصدح وإسقاط الفساد مطلباً لا يعوض.

صناديق الاقتراع لثورة الياسمين في تونس أعادت البريق لعيون الشباب وأرجعت الطموح لهتافاتهم وقدمت ثورة تونس بما قدمته من تجربة ناجحة في الديمقراطية واختيار الشعب لمن يريد.

أظهرت مشاهد المظاهرات في الجزائر والثورة التي قام بها الجزائريون ضد الحكم العاجز ومافيا الفساد التي طالت كل شيء في الدولة الجزائرية، مدى شجاعة الشعب واعتناقه لفكرة الحرية التي عُمِل على تلطيخها بمناظر الخراب والتشرد وسيطرة العسكر وغيره، كل هذا لم يثنِ الجزائريين وهم من عاش أيضاً أحداثاً دموية في ما يُعرف بالعشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فنزل الشعب وأسقط النظام، ولا زالوا متمسكين حتى اليوم بإسقاط كل أركان النظام السابق آخذين العبرة والحكمة مما جرى في سوريا ومصر.

صناديق الاقتراع لثورة الياسمين في تونس أعادت البريق لعيون الشباب وأرجعت الطموح لهتافاتهم وقدمت ثورة تونس بما قدمته من تجربة ناجحة في الديمقراطية واختيار الشعب لمن يريد، وتداول السلطة، التي عاشتها مؤخراً مثالاً رائعاً أنّ الثورة لا تنتهي بالدمار، وأن الحرية وإن طالت ولادتها فهي قدر من يريدها.

مئات الآلاف من الشباب في لبنان يتظاهرون ويرفعون الشعارات والأناشيد التي استنسخوها من الثورة السورية ومن أبطالها، رغم وجود “حزب الله” المافيا التي قتلت السوريين، قربهم وسيطرته على لبنان، فلم يمنعهم ذلك من استلهام ما بدأته سوريا بشبابها، مؤكدين أن ما فعلته آلة الحقد العالمية واللعبة الطائفية ضد ثورة سوريا لن توقف فكرة ومبادئ ثورة شبابها وحلمهم بالحرية، وأن الدمار الذي لحق بسوريا ما هو إلا حصيلة بيع النظام للوطن واستقدامه لاحتلالات من مختلف أرجاء المعمورة وليست نتيجة ما طالبوا به من حرية وتغير وقلب طاولة الفساد على الفاسدين، هذا الطاولة التي أثبت ملايين التونسيين في إدلائهم بأصواتهم والجزائريون واللبنانيون في تظاهراتهم، بأنها تُقلب، وبرهنوا بأن الثورة لا تأكل أبنائها وإنما تنصرهم وإن بعد حين.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.