الحرية بالإكراه -جميل عمّار

هذه صورة عن وثيقة تحرير العبيد والغاء الرق التي وقعها الرئيس الامريكي ابرهام لنكولن عام 1463.

العبيد نوعان نوع يتوق الى الحرية ويدفع في سبيلها الغالي والنفيس ونوع اخر يتلذذ بقيود العبودية ويخاف من الحرية التي ستحمله الى عالم مجهول بالنسبة له يتصور فيه أنه سيفقد فتات الخبز الذي يلقيه اليه سيده اخر النهار سواء اذا استخدمه في ذلك اليوم او لم يستخدمه
والسادة نوعين ايضا سادة تتخلى عن استعبدها للآخرين خوفا من ثورتهم او نتيجة اغراء ما تثمنه بأكثر من قيمة الاحتفاظ بالعبيد ونوع اخر سادي النزعة يقتل عبيده على أن يفرط بهم من خلال تحريرهم او عتقهم
الاسلام جاء في عصر كانت العبودية فيه ركنا من اركان المجتمع ومقوماته الحياتية ولم يكن من المقبول او السهل الغاء الرق دفعة واحدة فكان الاسلام الدين السماوي الاول الذي مارس تحرير الرق بالترغيب وجعل عتق العبد كفارة لذنب او خطيئة وكان اول من اشار في الفقه الى ان العبودية لا تورث . متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرار حيث أن ابن العبد عبد وابن الامة عبد
فالفطرة أن الانسان حرا بطبيعته واستعباده قائم على قانون الاسر في الحروب وفقا لطبيعة ذلك العصر
في عام 1863 اعلن الرئيس الامريكي ابرهام لنكولن عن انهاء حالة الرق نهائيا من خلال وثيقة تاريخية استمهل دقائق ريثما تتوقف يده عن الارتعاش ليوقع اهم وثيقة انسانية في العصر الحديث وعندما اعلن تحرير العبيد اشرك ألاف منهم في حرب التوحيد لأمريكا التي نعرفها الان
لم يحارب السادة في امريكا هذه الوثيقة بمفردهم بل اشترك عبيدهم بمحاربتها والتصدي لها الى أن تم اعتمادها نهائيا و من ثم قامت الامم المتحدة بعد ذلك بزمن باعتماد تحرير الرق بأنواعه واعتباره جريمة بحق البشرية
الوثيقة وإعلان حقوق الانسان لم ينهي حالة الرق في العالم ولكن اصبح الرق يأخذ اشكالا اخرى وألوان مختلفة فكان الرق الابيض الذي يستغل المرأة جنسيا وكان الرق العقائدي بأن يتم اسر المجموعات من خلال عقيدة دينية تتمثل بشخصية دينية تضفى عليها هالة قدسية تأمرهم فيطيعون وتستغل ارزاقهم فلا يمتنعون حتى عن تقديم كل ما يملكون وتدخلهم في طقوس وعبادات فيها من امتهان للجسد يفوق سادية السيد على عبيده وهم صاغرون فيجلدون انفسهم بالسلاسل الحديدية وتسيل دمائهم بفعل النصال التي تمزق جلودهم طواعية
وهنالك الرق في العمل واستغلال حاجة الانسان للمعيشة فيفرض عليهم صاحب العمل التبعية المطلقة بساعات العمل والأجر والخصم والجزاء والفصل التعسفي وقد تصل الى تحرش جنسي ينتهي باستغلال الجسد
انواع عديدة ولكن اسوء انواع الاسترقاق هو الرق السياسي وهو ما يمارسه الحكام بحق شعوبهم من سطوة مطلقة تجمع الترغيب والترهيب معا خصوصا بعد ان يقوم اتباع الحاكم بتقديم الحاكم وكأنه نبيا منزها او اله بشريا يملك بيده مفاتيح الجنة والنار معا فالجنة هو ان تعيش في كنفه قطا خشبيا تصطاد للحاكم دون ان تأكل وجهنم عنده هو معتقل الداخل فيه مفقود ولا خارج منه ولا مولود
في الرق السياسي تخدر العقول ويستخدم الحاكم من خلال نظامه عقيدة سياسية ترقى الى مستوى العقائد الدينية أن لم يكن اشد صلابة فالعقيدة السياسية تجمع الجنة والنار بينما العقيدة الدنيا تؤجل الجنة والنار الى الاخرة
الرق السياسي يصبح صفة مكتسبة ومتوارثة عند اهل القرار ولكن لا تعمم حالة التوريث بالعتق السياسي عند بقية الافرار ولكن يستعاض عنها بخلق مظلة من الرعب تغطي كافة شرائح المجتمع فمن أمن عليه السلام ومن كفر بالعتق السياسي غالبا ما يلتزم الصمت
وقد يتطور التسلط السياسي كأداة للرق السياسي ليصل الى حد السيطرة الفعلية على ادوات التفكير والتحليل عند اتباعه فيرى كل ما يفعله الحاكم حقا وكل من يخالفه باطلا ويخلق في عقله الباطن صورة الخوف من التغيير ولقد اكدت دراسة اجراها علماء نفسيون على سجن من اعتى السجون بأنهم فتحول الابواب للمساجين وطلبوا منهم الهروب من السجن فكان من هرب سريعا وكان هنالك من فكر وهرب وهنالك ومن فكر وتراجع عن الهروب وهنالك من لم يكترث بتاتا لموضوع الحرية وهذه هي الشريحة التي نتكلم عنها كانت بحدود 20 % من السجناء اصحاب الاحكام طويلة الامد
تلك النسبة اصابها الخنوع واستكانة الى الامر واقع وأصبحت حتى عاجزة عن التفكير بالخروج الى حياة جديدة وتكبد مشقة الكفاح فيها وهي ترى في القليل مما يقدم لها كاف لتعيش
لذلك لا تستفتى العبيد حول ضرورة الحرية من عدمها ففاقد الشيء غير قادر على الافتاء به
لذلك كان من الضروري بكثير من الاحيان دفع الناس باتجاه الحرية بالإكراه حتى يتذوقون حلاوتها فيؤمنون بها كثيرا من الناس يخافون من العوم في حمام سباحة يعج بالسباحين ولا بد من شخص يقودهم الى الماء ويعلمهم شيئا فشيئا ان الخوف ليس من الماء ولكن الخوف من جهلهم بالسباحة ليس الماء هو المسؤول عن غرقنا ولكن جهلنا في السباحة هو سبب غرقنا وذلك لا يجوز أن نقف عند تردد من يقف على حافة المسبح بي الرغبة والرهبة
من هنا اصبح جليا بأن العبيد لا تستفتى بمستقبلها وهي في ظلال الرق وهنا يجب ان يتم تحريرهم عنوة ولا يؤخذ رفضهم وتمسكهم بأسيادهم بعين الاعتبار او على محمل الجد فالحرية كالهواء يجب ان يوجد حيث تكون الحياة وعندما ينعدم تنعدم الحياة مع انعدام الحرية ولذلك فالجماهير التي تسير وراء نظام الاسد في سوريا اليوم لايمكن اعتبارها أنها في حالة وعي ولا تمثل ارادة صادقة او عن ادراك ولا بد من اعادة تأهيلها وإزالة رواسب القهر والديكتاتورية حتى يكون قرارها ينم عن رغبة واعية ومن هنا يصبح من الخطأ في مرحلة الانتقال او الاستشفاء اعطاء مساحة للاختيار لمن ارادتهم مرهونة
نصف قرن من الاحتلال الفكري لا شك تحتاج الى جهد كبير حتى يتم تحرير تلك العقول وإزالة الغشاوة عن عيون اصحابها وهنا نخلص الى ان الحرية بالإكراه ليست عملا ديكتاتوريا او سلبا لإرادة الاخرين وإنما هي علاج اشبه باللقاح الالزامي لتخليص المجتمع من وباء الاضطهاد كي لا يصبح امرا متوارثا

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.