الحركة الأوروبية الجديدة في السينما الاستقصائية الممسرحة.. رواندا مثالاً

مسرحة السينما، قد لا تكون فناً جديداً، لكنها لم تكن حركة واضحة في تاريخ التطور الفني، وعملية أن تصبح كذلك بوجود أشخاص يقومون بهذه المهمة، فهو إدراكهم العميق لضرورة إيجاد صيغ فنية لإنشاء ثقافة إنسانية أوسع مم هي عليه.

الأيام السورية؛ علي الأعرج
علي الأعرج

مع بداية القرن الواحد والعشرين، بدأت موجات السينما في العالم تتخذ شكلاً جديداً، منها سينما إعادة خلق الأساطير التقليدية بأسلوب ثقافي أنثربولوجي جديد، كما ظهرت في المكسيك وغواتيمالا والبيرو وأمريكا اللاتينية بشكل عام، أو أعادة تشكيل هويات سينمائية لتاريخ صناعة سينما الرعب كما ظهرت في فرنسا، إسبانيا، أو الموجة الفلسفية الدينية الجديدة كما في شمال أوروبا، الدنمارك، فنلندا، السويد، النرويج.

بالمقابل كان هناك جزء من حركة جديدة بدأت تظهر في إيطاليا إلى جانب موجة العنف الفلسفي والغموض، وهي حركة تتبلور معالمها جديداً، ويمكن مبدئياً إطلاق اسم عليها: “السينما الاستقصائية الصحافية الممسرحة”.

طبعاً الحركة ليست في إيطاليا فقط، فهناك بعض الأفلام وإن كانت قليلة – التي اتخذت نفس السياق الأدائي والاستعراضي في البرتغال، إنكلترا، بلجيكا وبعض دول شرق أوروبا، لكن من الواضح انّ ملامح الحركة لم تنضج بعد كما نضجن في إيطاليا من خلال فيلمين بإخراج ريكاردو سالفيتي، وأداء خاص ومباشر من ثنائي أساسي في هذه العروض (ماركو كورتزي – مارا موسكيني).

طبيعة هذه الحركة أنها سينما صحفية استقصائية تتناول أهم الأحداث في القرن العشرين، ويتم تسليط الضوء عليها كي لا يتم تجاهلها.

لم أنوقع أن أشاهد شيئاً أقرب للتوثيق باستعراضي روائي وبتكوين رائع بين مونولوج مسرحي وعرض سينمائي صافي، ومزجهما بطريقة إبداعية غريبة؛ عملية التنقل المونتاجي بين العرض المسرحي كمونولوج للشخوص وأدائهم الحواري وبين الصورة السينمائية كان مذهلاً.

طبعاً كل ذلك يقوم على سرد المعلومات التوثيقية التي تم جمعها من حقائق حول الإبادة التي جرت في رواندا عام 1994، والتي يمكن اختزالها بجملة واحدة: “خلال الإبادة الرواندية هناك جثة كل عشر ثواني”. في رواندا، خلال 104 أيام كان هناك مليون قتيل.. كان يموت 10000 شخص يومياً أي 400 جثة في الساعة، أي 7 جثث في الدقيقة، أي أنّ هناك شخص واحد يُقتل كل عشر ثواني بشكل فعلي ودون أي مبالغة.

جاءت حركة كورتزي، وموسكيني، للتركيز على الأحداث الجسيمة التي بدأ المجتمع الدولي والعالم الإنساني ينساها وكأنها شيء عابر في التاريخ؛ هذه الحقائق الموثقة والتي قد لا يعرفها الكثير أو ربما قرأوها وعبروا عليها لأسباب كثيرة، ربما لاعتبارات ثقافية خاصة – بغض النظر – فإنّ الفيلم يقدّم صورة ومحاولة جديّة لتركيز الضوء على جانب إنساني من هذا العالم.

الفيلم مميز كعمل بصري ومسرحي وحواري ويستحق المشاهدة، بعيداً عن الحديث حوله، لأنّ مشاهدته كفيلة بتحقيق عنصرين أساسيين: المعرفة لحقيقة العالم، والفهم أين نحن ذاهبون.

مسرحة السينما، قد لا تكون فناً جديداً، لكنها لم تكن حركة واضحة في تاريخ التطور الفني، وعملية أن تصبح كذلك بوجود أشخاص يقومون بهذه المهمة، فهو إدراكهم العميق لضرورة إيجاد صيغ فنية لإنشاء ثقافة إنسانية أوسع مم هي عليه.

الرائع هنا هو دمج الذات في الآخر كفعل جديد درامياَ، رغم أنه ليس جديد في أنماط السينما التقليدية، لكنه هنا ارتفع جدياً إلى مستوى ثقافي مبهر، لنرَ الآخر كانعكاس واضح وجلي في كل حركة – حوارياً وحتى بصرياً – وهذه الطريقة الرائعة هي ما رفعت الفيلم إلى هذا المعيار الجمالي والفني والإنساني.

يُعتبر فيلم رواندا عام 2018 هو أول تجربة في هذا النوع، وقام الكادر نفسه بصناعة عمل آخر عام 2019 بعنوان الجدار Die Mauer: Il muro من إخراج “ريكاردو” وأداء “ماركو ومارا” أيضاً، ويتحدث عن جدار برلين، وهناك أخبار حول نفس المجموعة بالقيام عن كتابة ورشة عمل لفيلم جديد لكن لا شيء واضح حتى الآن، عن الهجرة الفلسطينية عام 1948.

النمط الجديد في هذه السينما الاستقصائية بالأسلوب الممسرح، خلق نوع من النديّة في التعامل مع العالم الخارجي وحقائقه وفنونه؛ رغم أنّ السينما الاستقصائية المحضة ليست جديدة كلياً، فنحن شاهدناها كثيراً في السينما الإسبانية والأرجنتينية التي عاشت تجارب الفاشية والقمع والقتل الممنهج، لكن إضافة هذا البعد المسرحي هو ما حوّل المعلومة البحثية في السينما المستقصاة إلى فن حقيقي.. وكانت رغبتي في البحث عن أعمال هذه المجموعة وحركتها الجديدة، لأنّ ما تم تقديمه في فيلم رواندا، فعلياً أمتعني على كافة معايير الفن، وباحترافية استثنائية.

هذا الفيلم مذهل ويستحق مشاهدته والتأمّل به عميقاً في تجربة بشرية قاسية لجزء من عالم منسي، يُشاركنا النسيان الإنساني الذي نتمتع به أيضاً على هذا الكوكب.

إن كان هناك من يظن أنّ تجربته الإنسانية هي أقسى ما حصل في العنصرية والفاشية الفكرية واستحقار السلطات للإنسان، فليقارنها برواندا وتجربتها، هذا طبعاً لا يعني أن نقلل من مأساة تجارب الآخرين، أو نبرأ الفاعلين في تلك المجارز، بل يعني أن نفهم عميقاً بأنّ ما يجمعنا كبشر في البؤس هو ما يجمع قَتَلتَنا في أنهم جميعاً يمثلون السلطة.

بوستر فيلم رواندا(guidetorwanda)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.