الحرق بالنار.. تربية العنف الطفولي

التأسيس لشخص جيد يبتدئ بجملة “الله يحرق”؛ سوف يؤدي إلى خلق كيان متطرف وغيبي ولا يقبل سوى نفسه، إنه يرفض كل من يختلف عنه، وبالتالي سيُخضع الآخرين لقانونه الخاص باعتباره القانون الوحيد الصحيح.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في المجتمعات التي ما يزال يغلب عليها الطابع الديني في ثقافتها اليومية، هناك نظام شامل لمفهوم التربية الأخلاقية، وإنشاء أجيال متواترة، ويمكن اعتبارها نسخا مكررة من المفاهيم الاجتماعية واعتبار التابوهات المحرمة في الجنس والدين والسياسة، سقفا لا يجب تجاوزه، وجميعها تستمد هيكلية وجودها من نقطة أولى يتم ترسيخها في الوعي الطفولي، وهي جملة تتكرر دائماً وأبداً، في خلق كيانات تشعر بالخوف والرضوخ من قوة عظمى وأبدية، وهي الله.

السلوك الطفولي والعقاب المنتظر

إن أي سلوك طفولي يمكن أن يمارس بعض الأشياء التي لا تناسب الوعي الأكثر إدراكاً، يمكن أن يكذب على سبيل المرح أو التهرب من المسؤولية، يمكن أن يقوم بأذية أو بعنف تجاه الآخرين، ويمكن أن يستحوذ على شيء للآخرين بطريقة غير مبررة، وهناك مئات من الأمثلة الشبيهة، وتأتي التربية العائلية لتحديد وتقويم هذا السلوك. ولا أتحدث هنا عن أطفال يتم إنزالهم إلى ميدان العمل وحرمانهم من حقوقهم، أو تجنيد الأطفال في العسكرة، بل أتحدث عن أطفال يتم اعتبارهم ينشؤون في بيئات تعتبر نفسها متمدنة وحضارية وتحقق أساليب التربية الحديثة والرفاهية.

إن أي عملية تقويم في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الديني، تمتلك فورما أساسية لإيقاف ذلك الاندفاع الطفولي، وهي جملة يتم تكرارها دائماً وأبداً حتى اليوم: “إن الله يشاهد. من لا يسمع كلمة لوالديه ويطيعهم سيُحرق بالنار. الكاذب مصيره النار. إيذاء الآخرين يعاقب الله عليه.. الخ”.

إن أي عملية تقويم في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الديني، تمتلك فورما أساسية لإيقاف ذلك الاندفاع الطفولي، وهي جملة يتم تكرارها دائماً وأبداً حتى اليوم: إن الله يشاهد. من لا يسمع كلمة لوالديه ويطيعهم سيُحرق بالنار. الكاذب مصيره النار.

بالطبع أنا لا أبرر السلوك الطفولي في الاعتداء أو الأذية أو الكذب، لكني لا أفهم تلك الطرائق في جعل الأطفال أخلاقيين من خلال الترهيب. إن فكرة وجود الرقيب الذي سيحرق الإنسان هي بحد ذاتها تخلق في الروح المستقبلية فكرة العنف، إنها في جوهرها عنفيّة إلى أقصى حد.

التفتيش عن أساليب تربوية جديدة

لو أردنا فعلياً خلق مجتمعات مستقبلية صحيّة وسليمة ومعافاة عقلياً، يجب على الأقل، أن نجد أسلوباً آخر لإقناع أطفالنا بخطأ ما يقومون به بعيداً عن الرقيب الإله الذي يحمل إزاء جميع السلوكيات وعيدا بالنار. ما معنى أن نقول لطفل بأنّ عدم الطاعة أو فعل الشر تعني حرقا أبدياً؟

ألايؤدي هذا قطعاً، إلى خلق مستقبلي للنفس بأن تكون مستهترة إزاء فكرة الخير الإنساني، وخلق حالة من الانغماس المتطرف في وعيه الديني والوصول إلى نقطة لا نهائية عندما يكبر بأنه كي ينقذ نفسه من نار حارقة سيفعل كل ما يستطيع لتنفيذ رؤية الإله نفسه حتى لو كانت على حساب الآخرين وتنوعهم وحيواتهم؟

عندما تقول لطفلك بتربيتك إنّ الله سيعاقبه ويحرقه لأنه قام بشيء خاطئ، فكن على ثقة بأنك تؤسس لشخص متطرف وعنصري، وحينها لا تخرج وتلم سبب وجود تجمعات سياسية وعسكرية دينية تمارس العنف على كل ما يخالفها، ويبدؤون بتدمير حياتك الخاصة، لأنك ببساطة أسست الجذر العنفي من خلال ترهيب طفلك من أجل أن تخلق منه بحسب رؤيتك، شخصاً أخلاقياً يلتزم بقانونك الاجتماعي المهترئ.

التأسيس لشخص جيد يبتدئ بجملة “الله يحرق”؛ سوف يؤدي إلى خلق كيان متطرف وغيبي ولا يقبل سوى نفسه، إنه يرفض كل من يختلف عنه، وبالتالي سيُخضع الآخرين لقانونه الخاص باعتباره القانون الوحيد الصحيح.

إن فكرة خضوع كيان وترهيبه من إله، لا تخلق سوى خضوع لكل معنى سياسي وثقافي وديني متحكم برقاب الناس، إنك تخلق كل كيان راضخ وذليل دون أن تعلم، وجميعها تنطلق من جملة واحدة، يتم استسهالها ظناً منك أنك تنشئ جيلاً جيداً، بأنّ الإله يحرق.

هناك الكثير من أساليب التربية لا تذكر الترهيب من الإله الجبار وتخلق مجتمعات وأناس يحترمون الآخر دون أن يكونوا داعرين بحسب منظورك. نمطك الأخلاقي في التربية هو ما يجعلنا حتى اليوم، نعاني من تردي هذا الواقع السيئ.

إن فكرة خضوع كيان وترهيبه من إله، لا تخلق سوى خضوع لكل معنى سياسي وثقافي وديني متحكم برقاب الناس، إنك تخلق كل كيان راضخ وذليل دون أن تعلم، وجميعها تنطلق من جملة واحدة، يتم استسهالها ظناً منك أنك تنشئ جيلاً جيداً، بأنّ “الإله يحرق”.

شكراً لك عزيزي المربي الفاضل أخلاقياً، كي تحترم مجتمعك تخلق بشراً أعلى طموحاتهم أن يكونوا متطرفين حمقى، يبحثون عن خلودهم وخضوعهم للإله ويرفضون كل من يختلف عنهم لأنك قلت لهم يوماً إن الإله سيحرقهم بنار أبدية إن لم يطيعوا الكيان الخالد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.