الحرب والوطن.. مشاعر بالمجد أم موت مجاني!

فيلم 1917 مثالاً

ربما كان فيلم 1917 يلخص تجربة أي شخص عايش حرباً، ونظر لتجربته من خارج الفعل القائم ولو قليلاً، ويطرح سؤالاً ذاتياً، ما فائدة ما يجري في كل هذا الموت؟ من أجل من نموت؟ وضد من نقاتل؟ وعن من ندافع؟.

22
الأيام السورية؛ علي الأعرج

في نهاية عام 2019، صدر الفيلم الملحمي للمخرج سام ميندز، بعنوان 1917، ويستعرض ميندز، مهمة لجنديين إنكليزيين، يجب عليهم إيصال برقية من كتيبتهم الثامنة، إلى الكتيبة الثانية المُجهّزة للهجوم على الخنادق الألمانية، بعد قطع خطوط البرقيات من قِبل الألمان، دون معرفة الكتيبة الثانية للخطة التي قام بها الألمان في استدراجهم للخنادق؛ وعليه إن لم يتم إيصال البرقية من الجنديين خلال 24 ساعة، ستكون النتيجة إبادة 1600 جندي إنكليزي.

بعيداً عن تفاصيل الفيلم السينمائي وتقنياته، حاول ميندز استعراض قذارة الحرب، إحباط الجنود، المشاعر المتناقضة بين الأمل والخسارة، الموت اللحظي للمئات، الجثث المتفسخة، السعي لتنفيذ المهمة، الخ. شخصياً كان من أجمل أفلام الحروب وطروحاتها الدرامية الإنسانية التي شاهدتها، لكن مع نهاية الفيلم، راودني سؤال يتعلق بمفهوم عام عن الحروب والوطن ومشاعر التضحية.

في الفيلم كانت المهمة بالنسبة للقيادة الحربية الإنكليزية لإيقاف هجوم الكتيبة الثانية، يرتبط بخسارة 1600 جندي، وبالتالي لن يكون هناك حصن دفاعي، لكن كانت المهمة بالنسبة للجندي هي إنقاذ 1600 شخص بغض النظر عن استمرار الحصن الدفاعي أم لا ضد هجمات الألمان. وهذا يؤدي بنا لفهم عقلية السلطة ومفاهيمها عن الحرب والمجد والتضحية والوطن. إنها مرتبطة بالكيان العام، الكيان المؤسساتي ذو البعد الواحد) بغض النظر عن أهمية الروح الفردية للبشر.

كم يجب أن يستغرق الأمر ليفهم البشر على هذا الكوكب، أن مشاعر المجد وطروحات الوطن، ليست سوى صنيعة رجال السلطة، لا أحد يكترث حقاً بموتك.

في أحد حوارات الفيلم، يقول ضابط للجندي في منتصف المهمة:

  • إذا تمكنت من الوصول إلى العقيد ماكينزي لتسليمه أمر القيادة، تأكد من وجود شهود في استلامه للأمر، لأن بعض الرجال يرغبون بالقتال.

العقيد ماكينزي يمثّل ذهنية السلطة في مفهومها عن الوطن، يمثّل جميع رجال العسكرة في العالم (ذوي الرتب العالية)، إنه غير مهتم سوى بمجده الشخصي\ المؤسساتي، لتحقيق النصر وسحق الألمان حتى وإن كان على حساب 1600 شخص من أبناء بلده. تحت اسم الانتصار.

كم يجب أن يستغرق الأمر ليفهم البشر على هذا الكوكب، أن مشاعر المجد وطروحات الوطن، ليست سوى صنيعة رجال السلطة، لا أحد يكترث حقاً بموتك.

في حوار ثانٍ ضمن الفيلم، يقول جندي المهمة لصديقه، حول وسام الشرف:

  • لم أفقد ميداليتي، لقد بدلتها مع النقيب الفرنسي بزجاجة نبيذ.
  • كان يجب أن تأخذها معك للديار، كان يجب أن تعطيها لعائلتك. الجنود يموتون من أجلها.
  • إنها قطعة معدنية لا تجعلك مميزاً ولا تشكل فرقاً لأي أحد.
أفيش فيلم 1917 للمخرج سام ميندز (الجزيرة)

فكرة المجد والشرف التي تبيحها سلطة باسم الوطن لأناس يموتون يوماً بعد يوم، بقطعة معدنية، أو بتسمية شارع، ما قيمتها فعلياً!. في النتيجة ذاك المقاتل يموت بينما يسعد صاحب السلطة بالاستمرار في الحياة، ويعود الفضل له في بناء الوطن التاريخي؛ أي فكرة سخيفة تلك تمتلئ بها عقول أولئك العسكريين؟!.

هل يوجد شخص عاقل يمتلك قليل من شرف يمكن أن يكون عسكرياً تابعاً لسلطة ما!. ببساطة فليقم السياسيون والاقتصاديون ودعاة الألوهة (الطبقات العليا وليست الشعوب) بالقتال بين بعضهم في العالم، ما شأننا نحن فعلياً؟ نحن نقاتل عوضاً عنهم ونموت نتيجة وهم المجد الذي تمت زراعته في عقولنا.

فكرة المجد والشرف التي تبيحها سلطة باسم الوطن لأناس يموتون يوماً بعد يوم، بقطعة معدنية، أو بتسمية شارع، ما قيمتها فعلياً. في النتيجة ذاك المقاتل يموت بينما يسعد صاحب السلطة بالاستمرار في الحياة، ويعود الفضل له في بناء الوطن التاريخي.

الحرب العالمية الأولى كانت حرب خنادق في البراري، لم تكن حرب اعتداء على مدن، ومع ذلك كان الناس يموتون ليس دفاعاً عن وطن، بل عن عنجهية العسكرة، عنجهية السلطة الفاشية لبعض أشخاص يبيعون وهم الوطن لمئات الآلاف من المواطنين الأبرياء الذين يستطيعون أن يعيشوا دون أن يلتزموا اتجاه أي سلطة، لكن مع ذلك كانوا يموتون بسبب تلك العنجهية التي يترأسها مجموعة من الأشخاص الحمقى تحت اسم الوطن.

ربما كان فيلم 1917 يلخص فكرة لمن أراد التمعن في خلفيتها، دون أن يمر على الفيلم كملحمة بصرية ومشاعر إنسانية جارفة، وبطريقة أخرى يلخص تجربة أي شخص عايش حرباً، ونظر لتجربته من خارج الفعل القائم ولو قليلاً، ويطرح سؤالاً ذاتياً، ما فائدة ما يجري في كل هذا الموت؟ من أجل من نموت؟ وضد من نقاتل؟ وعن من ندافع؟.

بالتأكيد ليس الوطن، بل دفاع عن السلطة وعن من يمثلونها، لو كان هناك رجل واحد يمثّل الشرف في هذا العالم، فيجب عليه أن يطلق النار على سلطته ثم يرمي سلاحه للأبد.

عامة الناس قد يختلفون فيما بينهم لكنهم لا يمثلون أي سلطة تتاجر بعقول ومصائر من يتبعون لها. البشر الذين لا يمثلون السلطة هم الأحق في الحياة فقط، فلا وجود للمجد، والموت المجاني ليس مهنة أحد. من أراد أن يموت من أجل الوطن والمجد فلتنزل السلطات من أبراجها وتقاتل السلطات الأخرى. الشعوب لا شأن لها بنزعاتكم المؤسساتية أيها الفاشيون.

المخرج سام منديز يفوز بجائزة جولدن جلوب لأفضل مخرج عن فيلم “1917”(رويترز)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.